ads
ads

ليست الرهائن أو الإرث "التوراتي".. مكاسب حقل "غزة مارين" كلمة السر الإسرائيلية في حرب غزة والضفة الغربية

حقل غاز
حقل غاز

في عمق مياه البحر المتوسط، قبالة سواحل قطاع غزة، يرقد أحد أكثر الملفات حساسية في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي حقل الغاز المعروف باسم 'غزة مارين'.

اكتُشف الحقل قبل أكثر من عقدين، وكان يُفترض أن يمثل نقطة تحول اقتصادية للفلسطينيين، لكنه تحول إلى عنوان سياسي معلق بين الحرب والتفاوض والاشتباك الإقليمي.

اليوم، ومع استمرار الحرب في غزة وتصاعد التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، يعود الحديث عن “غزة مارين” بوصفه ليس مجرد مشروع طاقة، بل ورقة استراتيجية ترتبط بمستقبل الدولة الفلسطينية وتوازنات شرق المتوسط، وفق ما نشرته صحيفة التايم البريطانية.

احتياطات حقل غزة مارين

منذ اكتشافه قُدرت احتياطيات الحقل بنحو 30 إلى 35 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وهي كميات كافية لتلبية احتياجات الفلسطينيين لعقود، مع إمكانية تصدير الفائض.

في حينه، حصلت مجموعة British Gas على حقوق الاستكشاف والتطوير بالشراكة مع السلطة الفلسطينية، لكن المشروع سرعان ما اصطدم بعقبات سياسية وأمنية.

إسرائيل، التي تسيطر فعليًا على المجال البحري لغزة، اشترطت ترتيبات أمنية ومالية معقدة، فيما اعتبرت القيادة الفلسطينية أن الحقل يقع ضمن مياهها الإقليمية وفق القانون الدولي.

تعاقبت السنوات دون تطوير فعلي، ومع سيطرة حركة حماس على غزة عام 2007، دخل الملف مرحلة أكثر تعقيدًا. فإسرائيل رفضت أي ترتيبات قد تُمكّن حماس من الاستفادة من العائدات، بينما أصرت السلطة الفلسطينية على أن تكون هي الجهة المخولة قانونيًا بإدارة الموارد. وبين هذا وذاك، بقي الغاز في مكانه، وتحول إلى رمز لاقتصاد مؤجل.

خلال السنوات الأخيرة، برزت محاولات لإحياء المشروع عبر وساطات إقليمية، خاصة من جانب مصر، حيث دخلت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية EGAS في مفاوضات مع السلطة الفلسطينية لتطوير الحقل وربطه بالبنية التحتية المصرية. الفكرة كانت تقوم على استخراج الغاز ثم تسييله أو استخدامه في السوق المحلية الفلسطينية، ما يمنح غزة والضفة الغربية مصدر طاقة مستقل نسبيًا. لكن اندلاع الحرب الأخيرة في غزة أعاد الأمور إلى نقطة الصفر.

من يضع يده على غزة مارين بعد الحرب؟

الحرب لم تُدمّر فقط البنية التحتية المدنية في القطاع، بل أعادت تعريف أولويات الأطراف، في ظل العمليات العسكرية والحصار المشدد، يصبح الحديث عن استثمارات بمليارات الدولارات في عرض البحر مسألة مؤجلة. ومع ذلك، فإن بعض التحليلات في الصحف الغربية ترى أن مستقبل غزة الاقتصادي بعد الحرب قد يرتبط بشكل مباشر بإحياء مشروع الغاز، سواء في إطار إعادة إعمار تقودها أطراف دولية أو ضمن تسوية سياسية أوسع.

التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية

هنا يتقاطع ملف غزة مارين مع مسألة التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. فبينما يُنظر إلى الحقل باعتباره أحد أعمدة “الاستقلال الاقتصادي” الفلسطيني المحتمل، تشهد الضفة توسعًا استيطانيًا مستمرًا يغيّر الوقائع على الأرض.

بالنسبة للفلسطينيين، فإن أي حديث عن استغلال الموارد الطبيعية يجب أن يُربط بمسار سياسي واضح ينهي الاحتلال ويؤسس لدولة ذات سيادة.

أما إسرائيل، فترى أن الاعتبارات الأمنية تظل أولوية، سواء في البحر قبالة غزة أو في التلال المحيطة بالمدن الفلسطينية في الضفة.

التايم البريطانية تناولت هذا الترابط بشكل لافت، حيث اشارت بعض التقارير إلى أن تطوير غزة مارين قد يُستخدم كحافز اقتصادي ضمن أي ترتيبات “اليوم التالي” للحرب، بحيث يُمنح الفلسطينيون مصدر دخل مستدام مقابل ترتيبات أمنية مشددة.

لكن تقارير أخرى حذرت من أن غياب أفق سياسي حقيقي، في ظل استمرار الاستيطان وتآكل حل الدولتين، يجعل أي مشروع اقتصادي عرضة للانهيار عند أول تصعيد.

في المقابل، فإن استمرار التوسع في الضفة الغربية يبعث برسائل متناقضة، فمن جهة، يُطرح الحديث عن تمكين اقتصادي للفلسطينيين عبر مشاريع مثل غزة مارين، ومن جهة أخرى تتغير الخريطة الجغرافية والسياسية في الضفة بما يُضعف فرص قيام دولة متصلة جغرافيًا. هذا التناقض يجعل كثيرًا من المحللين يشككون في إمكانية فصل الاقتصاد عن السياسة في الحالة الفلسطينية.

ماذا يعني الحقل لفلسطين؟

يمثل الحقل فرصة نادرة لغزة المحاصرة، اذا ما كان الحديث مستمرا على اعادة اعمار غزة فالقطاع يعاني من نقص مزمن في الكهرباء، ويعتمد على إمدادات محدودة من إسرائيل ومحطة توليد تعمل بوقود مستورد. لو تم تطوير الحقل، يمكن أن يوفّر طاقة مستقرة ويخلق آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.

كما يمكن أن يشكل مصدر إيرادات للسلطة الفلسطينية، ما يقلل الاعتماد على المساعدات الخارجية. لكن كل ذلك مشروط ببيئة أمنية مستقرة واتفاق سياسي واضح حول آلية إدارة العائدات.

في حال جرى تطوير الحقل عبر اتفاق تقوده السلطة الفلسطينية، فإن صافي العائدات للفلسطينيين بعد خصم تكاليف التطوير والتشغيل وحصة الشركات المنفذة قد يتراوح بين 2 و3 مليارات دولار موزعة على 15 إلى 20 عامًا. هذا يعني متوسط دخل سنوي قد يقترب من 100 إلى 150 مليون دولار سنويًا، وهو رقم يمكن أن يُحدث فرقًا ملموسًا في موازنة السلطة الفلسطينية، ويخفض فاتورة استيراد الطاقة التي تُقدَّر بمئات الملايين سنويًا.

ماذا يعني الحقل لإسرائيل؟

تشير التقديرات المتداولة في تقارير الطاقة الدولية إلى أن إجمالي احتياطيات' غزة مارين' يتراوح بين 30 و35 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. إذا افترضنا متوسط سعر عالمي يتراوح بين 6 و8 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، فإن القيمة الإجمالية القابلة للاستخراج قد تتراوح تقريبًا بين 4 و6 مليارات دولار على مدى عمر المشروع، وفقًا لأسعار السوق وتكاليف التطوير والنقل. هذه الأرقام تبقى تقديرية بطبيعة الحال، لأنها تعتمد على تقلبات الأسعار العالمية وكلفة البنية التحتية البحرية.

ومكاسب الجانب الإسرائيلي المحتملة لا ترتبط بملكية مباشرة للحقل، بل بترتيبات العبور والمعالجة والأمن.

إذا تم نقل الغاز عبر بنية تحتية إسرائيلية أو جرى ربطه بالشبكات الإقليمية التي تمر عبر إسرائيل، فقد تستفيد تل أبيب من رسوم عبور أو خدمات تقنية تقدر بعشرات ملايين الدولارات سنويًا. كذلك قد تستفيد من استقرار أمني نسبي في غزة إذا ارتبط المشروع بترتيبات تهدئة طويلة الأمد.

ماذا تستفاد أمريكا من الحقل؟

من الناحية المباشرة، الولايات المتحدة لا تملك حصة رسمية في حقل غزة مارين، وبالتالي لن تحصل على عائدات مالية مباشرة من إنتاجه، إلا إذا دخلت شركات طاقة أمريكية كشريك في عمليات التطوير أو الخدمات الفنية. في هذه الحالة يمكن أن تستفيد شركات خاصة عبر عقود استكشاف أو تشغيل أو توريد معدات، لكن ذلك يظل سيناريوًّا مرتبطًا بترتيبات سياسية وأمنية معقدة.

أما المكسب الأكبر لواشنطن فيُرجَّح أن يكون سياسيًا واستراتيجيًا. فإذا جرى تطوير الحقل ضمن ترتيبات تهدئة أو خطة إعادة إعمار لغزة، يمكن للولايات المتحدة أن تقدّم المشروع باعتباره نموذجًا لربط التنمية بالاستقرار، ما يعزز دورها كوسيط في الصراع.

أمن الطاقة في شرق المتوسط

يدخل الحقل ضمن معادلة أمن الطاقة في شرق المتوسط، وهي منطقة تحظى باهتمام أمريكي متزايد. دعم استغلال موارد الغاز بشكل منظم قد يساهم في استقرار سوق الطاقة الإقليمي، ويقلل من فرص دخول قوى منافسة مثل روسيا أو الصين بقوة في هذا الملف. من هذا المنظور، قد لا يكون الربح الأمريكي ماليًا مباشرًا، بل نفوذًا سياسيًا وحضورًا استراتيجيًا في منطقة شديدة الحساسية.

كما يدخل الحقل ضمن شبكة أوسع من اكتشافات الغاز في شرق المتوسط، حيث برزت حقول ضخمة قبالة سواحل إسرائيل ومصر وقبرص. هذا السياق يجعل من غزة مارين قطعة صغيرة في لوحة أكبر، لكن موقعه السياسي يجعله أكثر حساسية. فبينما تحولت إسرائيل إلى مصدر للغاز، بقي الفلسطينيون خارج المعادلة تقريبًا. ومن هنا، فإن تطوير الحقل قد يُعاد طرحه كجزء من ترتيبات طاقة إقليمية أوسع.

الحرب في غزة أعادت أيضًا تسليط الضوء على مسألة السيادة البحرية. فالقانون الدولي يمنح الكيانات الساحلية حقوقًا في مواردها ضمن مناطقها الاقتصادية الخالصة، لكن تطبيق هذه القواعد في حالة غزة يصطدم بواقع السيطرة الإسرائيلية. أي مشروع تطوير سيتطلب تنسيقًا أمنيًا معقدًا، وربما وجود ضمانات دولية لحماية المنصات البحرية من الهجمات.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
الحبس 3 سنوات لـ4 متهمين في واقعة غرق السباح يوسف