بينما كان جواسيس العصر الماضي يبذلون جهوداً مضنية لزرع أجهزة تنصت في الغرف المغلقة، كشف تقرير علمي حديث عن واقع أكثر إثارة للقلق؛ فالبنية التحتية التي تحمل بيانات العالم اليوم وتمدنا بـ 'شريان الحياة' الرقمي، قد تكون هي ذاتها أكبر شبكة استماع عالمية في تاريخ البشرية.وفقاً لتقرير نشرته مجلة Science، لم تعد كابلات الألياف الضوئية مجرد مسارات لنقل حزم البيانات، بل تحولت بفعل الذكاء الاصطناعي وتقنيات الرصد الزلزالي إلى أدوات قادرة على 'ترجمة' الكلام البشري وتحويله إلى نصوص واضحة. هذا الاختراق التقني الذي يجمع بين فيزياء الضوء وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، يفتح تساؤلات حاسمة حول مستقبل الخصوصية في مدننا المغطاة بآلاف الكيلومترات من 'الألياف المظلمة' التي قد لا تكتفي برصد الزلازل، بل قد ترصد أدق تفاصيل أحاديثنا اليومية.
كشف تقرير نشرته مجلة Science أن تقنيات الألياف الضوئية المصممة لرصد النشاط الزلزالي أصبحت قادرة على تحويل الكلام البشري إلى نصوص باستخدام الذكاء الاصطناعي عبر تقنية 'الاستشعار الصوتي الموزع'. تجربة جامعة إدنبرة أظهرت إمكانية استعادة المحادثات من كابلات الألياف، مع وجود عوائق مثل عمق الدفن وهيكلية الكابل.
تعتمد هذه الظاهرة على تقنية تقنية يطلق عليها 'الاستشعار الصوتي الموزع' (Distributed Acoustic Sensing - DAS). ولتوضيح كيفية عملها، يشير العلماء إلى استخدام جهاز متخصص يُسمى 'المستجوب' (Interrogator)، والذي يقوم بالآتي:
نبضات الليزر: يطلق الجهاز نبضات ليزر مكثفة عبر كابل الألياف الضوئية.
رصد العيوب الزجاجية: يقوم الجهاز بتسجيل نمط الانعكاسات العائدة من عيوب مجهرية دقيقة في الزجاج على طول الكابل.
الاستجابة للاهتزاز: عندما تمر موجة صوتية (مثل الكلام) أو زلزالية، فإنها تسبب تمدداً وانكماشاً طفيفاً في تلك العيوب، مما يغير نمط الضوء المنعكس.
هذه العملية تحول الكابل فعلياً إلى سلسلة طويلة من 'أجهزة قياس الزلازل' (Seismometers)، التي لا تكتفي برصد الزلازل والبراكين، بل تمتد لالتقاط ضجيج السيارات، وحتى إيقاع الفرق الموسيقية.
من 'الألياف المظلمة' إلى 'نصوص Whisper'
الأكثر خطورة في تقرير Science هو إمكانية تطبيق هذه التقنية على ما يُعرف بـ 'الألياف المظلمة' (Dark Fiber)، وهي مسارات كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت المدن، وعبر المحيطات، والتي تظل غير مستخدمة حالياً، لكنها متصلة بالشبكة العالمية.
وفي تجربة ميدانية، أجراها الباحث جاك لي سميث، وفريقه من جامعة إدنبرة، تم وضع مكبر صوت بجانب كابل ألياف ضوئية مخصص لدراسة تأكل السواحل، وكانت النتائج مذهلة:
الترددات المنخفضة: أمكن استخراجها من البيانات الخام مباشرة دون أي معالجة مسبقة.
الترددات العالية: تطلبت معالجة تقنية إضافية، ولكنها كانت قابلة للاستعادة.
النسخ الفوري: بمجرد تلقيم هذه البيانات إلى أداة Whisper (برنامج الذكاء الاصطناعي المجاني من OpenAI)، تم الحصول على نصوص دقيقة للمحادثات في الوقت الفعلي.
شركة واتساب تتهم باراجون الإسرائيلية لبرامج التجسس باستهداف مستخدمين
قال مسؤول في 'واتساب' إن شركة Paragon Solutions 'باراجون سولوشنز' الإسرائيلية لبرامج التجسس، استهدفت عشرات المستخدمين من بينهم صحافيون، وأعضاء بالمجتمع المدني.
هل نحن تحت المراقبة؟
رغم هذا الاختراق، يطمئن العلماء أن هناك عوائق مادية تحول دون تحول كل كابل إلى جاسوس.
تتلخص هذه العوائق، وفقاً لنتائج البحث، في:
عامل الدفن: دفن الكابل تحت 20 سنتيمتراً فقط من التربة كان كافياً لامتصاص الموجات الصوتية، وجعل الكلام غير مفهوم.
هيكلية الكابل: نجحت التجربة فقط مع الكابلات 'الملفوفة' (Coiled) والمكشوفة على السطح، بينما فشلت الكابلات المستقيمة في تسجيل الكلام بوضوح، حتى لو كانت بجوار المصدر مباشرة.
المدى المتاح: حُددت المسافة الفعالة للالتقاط بنحو 5 أمتار فقط من مكبر الصوت إلى الكابل.
ويقول جاك لي سميث إن هذا البحث يمثل جرس إنذار لمستقبل الخصوصية، قائلاً: 'أظهرنا أنه في كل حالة تقريباً تُستخدم فيها هذه الألياف، قد يبرز قلق أمني حقيقي'.
ومع تطور خوارزميات الذكاء الاصطناعي، قد لا تكون المسافة أو الدفن عائقاً في المستقبل القريب أمام تحويل البنية التحتية للإنترنت إلى أكبر شبكة استماع في تاريخ البشرية.