ads
ads

ثروات على الساحل.. كيف تحول مصر الرمال السوداء إلى صناعات إلكترونية وتعدينية بملايين الدولارات؟

 الرمال السوداء
الرمال السوداء
كتب : أهل مصر

لم تعد الرمال السوداء المنتشرة على امتداد السواحل المصرية مجرد رواسب طبيعية تتراكم بفعل حركة الأمواج والتيارات البحرية، بل أصبحت واحدة من الثروات المعدنية التي تراهن عليها الدولة في توطين الصناعات الاستراتيجية، وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتصدير، خاصة مع احتوائها على معادن تدخل في الصناعات الإلكترونية والهندسية والطائرات والسيراميك وغيرها من الصناعات ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة.

وتحظى مشروعات الرمال السوداء باهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، في إطار توجه الدولة نحو الاستفادة من الثروات التعدينية، وعدم الاكتفاء باستخراج المواد الخام، والعمل على زيادة القيمة المضافة من خلال التصنيع المحلي، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتقليل الفاتورة الاستيرادية.

ويمثل مجمع مصانع الرمال السوداء بمدينة البرلس في محافظة كفر الشيخ إحدى الخطوات الرئيسية في هذا الاتجاه، إذ يستهدف فصل المعادن الاقتصادية الموجودة في الرمال وإتاحتها للاستخدام الصناعي، وسط تطلعات للتوسع في الصناعات التحويلية المرتبطة بها، والاستفادة من الطلب العالمي المتزايد على المعادن الاستراتيجية.

السيسي يوجه بتوطين صناعات الرمال السوداء والعناصر النادرة

وفي أحدث توجيهات رئاسية بهذا الشأن، تابع الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال اجتماعه أمس الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، مع رئيس مجلس الوزراء ووزيري الكهرباء والطاقة المتجددة والمالية، جهود الدولة لتنمية التصنيع المحلي في صناعات الرمال السوداء وتعظيم القيمة المضافة لها.

وأكد الرئيس، بحسب البيان الرسمي لرئاسة الجمهورية، ضرورة توطين صناعات الرمال السوداء والعناصر النادرة، والعمل على تحويل الموارد الطبيعية المصرية إلى منتجات صناعية ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، بدلًا من الاكتفاء باستغلالها في صورتها الأولية.

وتعكس هذه التوجيهات توجهًا نحو الانتقال من مرحلة استخراج المعادن وفصلها إلى مرحلة التصنيع المتقدم، بما يفتح المجال أمام إقامة صناعات جديدة تعتمد على الخامات المحلية، وتعزز قدرة الاقتصاد المصري على المنافسة في الأسواق العالمية.

كيف بدأت خطة الدولة للاستفادة من الرمال السوداء؟

لم يبدأ الاهتمام الرئاسي بالرمال السوداء مع التوجيهات الأخيرة، إذ شهد ديسمبر 2021 اجتماعًا للرئيس السيسي مع عدد من المسؤولين المعنيين بقطاع التعدين والشركة المصرية للرمال السوداء، لمتابعة جهود تعظيم القيمة المضافة للمعادن الاقتصادية المستخرجة من هذه الرواسب.

ووجّه الرئيس آنذاك بالتدقيق في دراسات المشروعات، وإحكام إدارة جوانبها المختلفة، بهدف تحقيق أكبر استفادة اقتصادية واستثمارية من الموارد الطبيعية المصرية.

وفي 19 أكتوبر 2022، افتتح الرئيس مجمع مصانع الرمال السوداء بمدينة البرلس بمحافظة كفر الشيخ، باعتباره أحد المشروعات التي تستهدف الاستفادة من الثروات التعدينية وإنتاج المعادن المستخدمة في الصناعات الدقيقة.

ما حجم ثروات الرمال السوداء في مصر؟

تمتلك مصر رواسب من الرمال السوداء على امتداد أجزاء من ساحل البحر المتوسط، خاصة من منطقة أبو قير غربًا وحتى رفح شرقًا، بالإضافة إلى مناطق أخرى على ساحل البحر الأحمر وبحيرة ناصر.

وتحتوي هذه الرواسب على معادن اقتصادية متعددة، أبرزها الإلمنيت والروتيل والزركون والجارنت والماجنيتيت والمونازيت، وهي معادن تختلف استخداماتها بين الصناعات التقليدية والصناعات التكنولوجية المتقدمة.

وتكمن أهمية الرمال السوداء في إمكانية فصل هذه المعادن وتحويلها إلى خامات صناعية تدخل في إنتاج مجموعة واسعة من المنتجات، بدلًا من تركها دون استغلال اقتصادي.

كيف تدخل الرمال السوداء في الصناعات الإلكترونية والتعدينية؟

تتعدد الاستخدامات الصناعية للمعادن المستخرجة من الرمال السوداء، إذ يُستخدم الإلمنيت والروتيل في إنتاج مركبات التيتانيوم المستخدمة في الدهانات والأصباغ، كما يمكن استخلاص التيتانيوم المعدني لاستخدامه في صناعات الطيران والمعدات الهندسية.

أما الزركون، فيدخل في صناعة السيراميك والمواد المقاومة للحرارة، بينما يُستخدم الجارنت في عمليات الصنفرة والقطع الصناعي، ويُستفاد من الماجنيتيت في عدد من التطبيقات التعدينية والصناعية.

ويحظى معدن المونازيت بأهمية خاصة لاحتوائه على عناصر أرضية نادرة تدخل، بعد فصلها ومعالجتها، في تطبيقات تكنولوجية متقدمة، من بينها بعض مكونات الأجهزة الإلكترونية والمعدات الكهربائية وتقنيات الطاقة الحديثة.

وبحسب البيانات الرسمية لمحافظة كفر الشيخ، يضم مجمع البرلس خطوطًا متخصصة لفصل ستة معادن اقتصادية رئيسية، بما يوفر قاعدة لإقامة صناعات تعتمد على هذه الخامات.

ماذا تحقق من مشروع الرمال السوداء في البرلس؟

يمثل مجمع البرلس أحد أبرز المشروعات المنفذة في قطاع الرمال السوداء، حيث يعتمد على منظومة لاستخراج الرمال وتركيزها وفصل المعادن الاقتصادية باستخدام تقنيات التعدين الحديثة.

ويستهدف المشروع توفير خامات للصناعات المحلية، وإتاحة تصدير الفائض إلى الأسواق الخارجية، بما يدعم موارد النقد الأجنبي ويقلل الاعتماد على استيراد بعض المواد الخام.

كما يفتح المجال أمام إنشاء مشروعات صناعية مكملة تعتمد على المعادن المستخرجة، بما يسهم في زيادة القيمة المضافة وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.

وتوضح البيانات الرسمية أن المشروع أُنشئ بالتعاون مع جهات وطنية وخبرات أجنبية، بهدف نقل التكنولوجيا وتوطين الخبرات الفنية المرتبطة باستخراج المعادن وفصلها.

هل يمكن أن تحقق الرمال السوداء عوائد بمليارات الدولارات؟

خلال افتتاح مجمع البرلس في أكتوبر 2022، كشف الدكتور حامد ميرة، رئيس هيئة المواد النووية آنذاك، أن العوائد المقدرة لمشروعات القيمة المضافة المرتبطة بالمجمع قد تصل إلى نحو 6 مليارات دولار.

وأوضح أن تعظيم الاستفادة من الرمال السوداء لا ينبغي أن يقتصر على استخراج المعادن وتسويقها، بل يمتد إلى معالجتها واستخلاص العناصر الاقتصادية والاستراتيجية منها، وإقامة صناعات تكنولوجية متقدمة تعتمد عليها.

وتُعد هذه القيمة تقديرًا للعوائد المحتملة من مشروعات التصنيع والقيمة المضافة، وليست إيرادات محققة أو أرباحًا معلنة للمجمع. كما لا تكفي البيانات المتاحة لتحديد حجم العوائد الفعلية التي تحققت حتى أكتوبر 2026.

ما دور القطاع الخاص في تحويل الرمال السوداء إلى صناعات متقدمة؟

دعا الرئيس السيسي، خلال افتتاح مجمع البرلس عام 2022، القطاع الخاص والشركات المحلية إلى المشاركة في مشروعات تعظيم القيمة المضافة من الرمال السوداء، في ضوء حجم الموارد المتاحة والطلب العالمي على المعادن المستخرجة منها.

وتبرز أهمية مشاركة القطاع الخاص في إنشاء مصانع للمعالجة المتقدمة وإنتاج المواد الوسيطة والمنتجات النهائية، بما يسمح بالانتقال من تصدير المعادن الخام إلى تصنيع منتجات أعلى قيمة.

كما أكد الرئيس، خلال اجتماع في يوليو 2025 لمتابعة المشروعات الصناعية، أهمية الإسراع بتوطين الصناعات التعدينية وجذب الاستثمارات إليها، بما يسهم في تلبية احتياجات السوق المحلية وزيادة الصادرات وتوفير فرص العمل.

ما التحديات أمام توطين صناعات الرمال السوداء؟

رغم الفرص الاقتصادية المتاحة، فإن تحويل الرمال السوداء إلى قاعدة للصناعات الإلكترونية والتعدينية يتطلب تجاوز تحديات تتعلق بتكلفة التكنولوجيا، والحاجة إلى إنشاء مصانع متخصصة لتنقية المعادن ومعالجتها وتحويلها إلى منتجات صناعية متقدمة.

كما يتطلب الأمر توفير التمويل والاستثمارات اللازمة، وتطوير الكوادر الفنية، وربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة، إلى جانب الالتزام بالاشتراطات البيئية والرقابية خلال عمليات الاستخراج والمعالجة.

وتزداد أهمية هذه المتطلبات مع التوجه نحو الاستفادة من العناصر الأرضية النادرة، التي تحتاج إلى تقنيات فصل وتنقية أكثر تعقيدًا، فضلًا عن إجراءات خاصة للتعامل الآمن مع المعادن التي قد تحتوي على مواد مشعة طبيعية.

هل تصبح الرمال السوداء بوابة مصر إلى الصناعات التكنولوجية؟

تمثل التوجيهات الرئاسية الأخيرة خطوة جديدة في مسار الاستفادة من الرمال السوداء، من خلال التركيز على توطين الصناعات المرتبطة بها، وعدم الاكتفاء بإنتاج الخامات المعدنية الأولية.

ويمكن أن يسهم التوسع في الصناعات التحويلية في توفير مدخلات إنتاج محلية لقطاعات الإلكترونيات والطاقة والصناعات الهندسية، فضلًا عن زيادة فرص التصدير وجذب الاستثمارات المتخصصة.

وتظل قدرة مصر على تحقيق عوائد اقتصادية أكبر من هذه الثروة مرتبطة بحجم التوسع الصناعي الفعلي، وتطوير تكنولوجيا المعالجة، وزيادة نسبة المكون المحلي في المنتجات النهائية.

وبينما كانت الرمال السوداء لسنوات طويلة ثروة كامنة على السواحل المصرية، تتجه الدولة إلى تحويلها إلى قاعدة صناعية ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، في إطار رؤية تستهدف استغلال الموارد الطبيعية بصورة أكثر كفاءة، وتعزيز مساهمة الصناعات التعدينية والتكنولوجية في الاقتصاد الوطني.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً