مع انتهاء العام الأول من الولاية الثانية والأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتكرّس ملامح تحوّل جذري في السياسة الأميركية، داخلياً وخارجياً، وسط تصاعد غير مسبوق في حدة الاستقطاب الداخلي، وتوسّع في نهج القوة والمغامرة العسكرية خارج الحدود.
ويقدّم ترامب نفسه رئيساً غير تقليدي عاد إلى البيت الأبيض بروح تصادمية واضحة، مدفوعاً برغبة في تصفية الحسابات مع خصومه السياسيين الذين لاحقوه قضائياً، ومتمسكاً برواية «الانتخابات المسروقة» عام 2020، رغم خسارته أمام جو بايدن آنذاك. وقد نجح، كما في ولايته الأولى، في إعادة حشد قاعدته الصلبة تحت مظلة حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA)، التي ظلّت القوة الدافعة الرئيسية لعودته إلى السلطة.
غير أن هذه القاعدة نفسها بدأت تشهد تشققات داخلية متزايدة، بفعل ملفات ثقيلة ألقت بظلالها على العام الأول من رئاسته الثانية. وفي مقدمتها قضية نشر وثائق وملفات مرتبطة بفضيحة جيفري إبستين، إلى جانب الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل في حرب غزة المستمرة للعام الثالث، وما رافقها من اتهامات لواشنطن بالتواطؤ في حرب إبادة، واستمرار خرق اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر.
ويفاخر ترامب علناً بكونه «أكثر رئيس أميركي قدّم خدمات لإسرائيل»، وهو توصيف يردده أيضاً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أشاد بدعم ترامب وتنازلاته خلال سلسلة لقاءات متكررة، كان آخرها اجتماع عقد في ميامي الأسبوع الماضي. ويُلاحظ أن عدد لقاءات ترامب مع نتنياهو خلال عام واحد فاق لقاءاته مع كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ مجتمعين.
وفي خطاب تنصيبه قبل عام، أكد ترامب أنه «رئيس سلام» يسعى إلى إنهاء «الحروب الأبدية»، ملوّحاً بطموحه لنيل جائزة نوبل للسلام. ويكرر الرئيس الأميركي أنه نجح في إنهاء ثماني حروب، غير أن منتقديه يشيرون إلى أن ما جرى لم يتجاوز في أحسن الأحوال تهدئة مؤقتة أو احتواء نزاعات لم تكن في الأساس حروباً شاملة، مثل الخلافات بين مصر وإثيوبيا أو بين الهند وباكستان أو بين صربيا وكوسوفو.
وفي المقابل، واجه ترامب إخفاقاً واضحاً في الوفاء بتعهده الأبرز بإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا «خلال أيام». فقد اعترف لاحقاً بأن الصراع أكثر تعقيداً مما كان يتصور، ومع نهاية عامه الأول لا تزال الحرب مستعرة بلا أفق سياسي، في ظل انحياز أميركي متزايد، بحسب مراقبين، إلى السردية الروسية على حساب أوكرانيا.
كما لم ينجح ترامب، رغم التوصل إلى وقف إطلاق نار في غزة بوساطة أميركية–قطرية–مصرية–تركية، في فرض انتقال فعلي إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وسط استمرار الخلافات حول نزع سلاح حركة «حماس» ومستقبل القطاع.
وعلى الصعيد الإقليمي، جاءت زيارة ترامب الخليجية، التي شملت السعودية وقطر والإمارات، في سياق الترويج لأهمية منطقة الخليج العربي، حيث أعلن عن تعهدات استثمارية بمئات المليارات، بل بتريليونات الدولارات على مدى ولايته. غير أن هذه الرسائل اصطدمت بمضامين «استراتيجية الأمن الوطني الأميركي» الصادرة الشهر الماضي، والتي خفّضت من أولوية الخليج، وأعلنت عملياً إنهاء مبدأ «كارتر» (1980) القائم على اعتبار أمن الخليج مصلحة حيوية للولايات المتحدة، مقابل العودة إلى منطق «مبدأ مونرو» الذي يعطي أولوية مطلقة لأميركا اللاتينية بوصفها «الحديقة الخلفية» لواشنطن.
وفي تطور لافت، شهد العام الأول لترامب اندلاع أول حرب مباشرة له، مع بدء عمليات عسكرية أميركية ضد فنزويلا، شملت قصف قواعد عسكرية وموانئ على البحر الكاريبي، في إطار مسعى لإسقاط نظام الرئيس نيكولاس مادورو. وجرت العملية من دون مصادقة الكونغرس، رغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن غالبية الأميركيين يطالبون بموافقة تشريعية مسبقة على أي عمل عسكري واسع. وتهدف واشنطن، بحسب تصريحات رسمية، إلى إنهاء حكم مادورو اليساري وتنصيب حكومة موالية برئاسة زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام.
وأثارت هذه الخطوة انتقادات واسعة، لا سيما في ظل اتهامات بأن الدوافع الحقيقية تتجاوز الاعتبارات السياسية إلى السعي للسيطرة على احتياطات فنزويلا النفطية، الأكبر في العالم، بما يخدم شركات الطاقة الأميركية.
داخلياً، يُعدّ تعميق الانقسام والاستقطاب أحد أخطر ملامح عام ترامب الأول. فقد تصاعد التوتر بين الجمهوريين والديمقراطيين، وامتدّ أيضاً إلى داخل الحزب الجمهوري نفسه وحركة «ماغا». وصوّتت أغلبية في الكونغرس لصالح نشر وثائق فضيحة إبستين، وسط اتهامات لوزارة العدل بالمماطلة خشية انكشاف أسماء نافذة، فيما أعادت القضية إلى الواجهة أسئلة قديمة حول شبكة علاقات إبستين وملابسات وفاته الغامضة عام 2019.
وبرز شرخ علني داخل التيار اليميني مع إعلان النائبة الجمهورية البارزة مارجوري تايلور غرين انشقاقها وانتقادها الحاد لترامب، متهمة إياه بالتخلي عن شعار «أميركا أولاً» لصالح «إسرائيل أولاً»، وبالتسويف في نشر ملفات إبستين. كما انضم إعلاميون محافظون مؤثرون، مثل تاكر كارلسون وكانديس أوينز، إلى موجة انتقادات تحذر من كلفة الدعم غير المحدود لإسرائيل على الداخل الأميركي.
ويتزامن ذلك مع تصاعد الغضب الشعبي بسبب الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، وتقليص الدعم الفيدرالي للتأمين الصحي، إضافة إلى تداعيات الحرب التجارية التي أطلقها ترامب عبر رفع الرسوم الجمركية، ما انعكس أعباء إضافية على المستهلك الأميركي وأثار توتراً مع حلفاء واشنطن.
وبين انقسامات الداخل وتصعيد الخارج، يبدو أن عام ترامب الأول في ولايته الثانية رسم ملامح مرحلة أميركية أكثر صدامية، تزداد فيها الأسئلة حول كلفة هذا النهج على الاستقرار الداخلي والدور الدولي للولايات المتحدة.
Is