تشهد المحافظات الجنوبية في اليمن تحولات أمنية متسارعة مع توسع انتشار قوات «درع الوطن»، في خطوة تُعد الأبرز منذ أشهر لإعادة ترتيب المشهد العسكري والأمني، بالتوازي مع التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي في الرياض، برعاية سعودية.
وفي أحدث هذه التطورات، رحّبت محافظة أبين، الثلاثاء، بانتشار قوات «درع الوطن» على أراضيها، في مؤشر جديد على تسارع عملية إعادة ضبط الأمن في الجنوب، بعد نجاح هذه القوات في تسلّم المعسكرات وبسط السيطرة في محافظتي حضرموت والمهرة، ووسط ترقب لامتداد الانتشار إلى شبوة وعدن.
وأقرت اللجنة الأمنية بمحافظة أبين، برئاسة المحافظ اللواء الركن أبو بكر حسين سالم، حزمة قرارات أكدت الترحيب بقوات «درع الوطن» والتنسيق الكامل معها في عمليتي التمركز والانتشار، ضمن خطة أمنية تهدف إلى حفظ الاستقرار والدفاع عن المحافظة، التي تقع على تماس مباشر مع مناطق سيطرة جماعة الحوثيين.
ويأتي هذا الموقف بعد ترحيب مماثل من محافظة شبوة، ما يعكس – وفق مراقبين – قناعة متزايدة لدى السلطات المحلية بأن توحيد الجهد الأمني تحت قيادة الدولة، وبالتنسيق مع تحالف دعم الشرعية، يمثل المدخل الأساسي لتثبيت الاستقرار ومنع تكرار سيناريوهات الصدام التي شهدتها بعض المحافظات نتيجة إجراءات أحادية الجانب.
وشددت اللجنة الأمنية في أبين على طمأنة منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، ودعت أبناء المحافظة إلى التعاون الكامل في حماية الممتلكات العامة والخاصة، مؤكدة في الوقت نفسه ضرورة دعم المؤسسات الأمنية والخدمية والتنموية. وهي رسالة تؤكد أن الاستقرار الأمني والتنمية مساران متلازمان لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
ضبط الأمن في الشرق
في المحافظات الشرقية، التي شهدت أخطر فصول التصعيد خلال الأسابيع الماضية، نجحت قوات «درع الوطن»، بإسناد من تحالف دعم الشرعية، في تسلّم كامل المعسكرات في حضرموت والمهرة. وأكدت السلطات المحلية في المهرة سيطرتها التامة على المنشآت العامة، محذرة من أي محاولات اعتداء أو عبث بالممتلكات، واصفة هذه الممارسات بأنها «ثقافة مدمّرة» تضر بالدولة وتُضعف مؤسساتها.
وفي حضرموت، جدّد المحافظ سالم الخنبشي التأكيد على استقرار الأوضاع وعودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها، نافياً الشائعات التي روّجت لخطاب فوضوي أو مناطقي. وتزامن ذلك مع إعلان الأجهزة الأمنية القبض على عشرات المتورطين في أعمال النهب التي رافقت الانسحاب المفاجئ لعناصر المجلس الانتقالي الجنوبي، إضافة إلى استعادة كميات كبيرة من المنهوبات.
ويُنظر إلى هذا الأداء الميداني المنضبط، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، على أنه عامل طمأنة داخلي ورسالة خارجية مفادها أن الدولة قادرة على فرض الأمن دون الانزلاق إلى انتهاكات أو تصفيات سياسية، وأن حماية المدنيين والممتلكات العامة أولوية لا تقبل المساومة.
من التصعيد إلى طاولة الحوار
بالتوازي مع الترتيبات الأمنية، يتقدم المسار السياسي عبر التحضير لمؤتمر حوار جنوبي–جنوبي شامل في الرياض، بمبادرة من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وبرعاية سعودية، وسط ترحيب عربي وإسلامي ودولي واسع.
ودعا الاتحاد الأوروبي، في أحدث المواقف الدولية، جميع الأطراف اليمنية إلى المشاركة والتعاون من أجل خفض التصعيد وتحسين الأوضاع المعيشية لليمنيين، معتبراً أن الحوار يمثل المدخل الأهم لمعالجة جذور الأزمة.
واللافت أن المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي كان طرفاً رئيسياً في التصعيد الأخير، أعلن على لسان رئيسه عيدروس الزبيدي وأعضاء هيئة رئاسته ترحيبه بجهود السعودية واستعداده للمشاركة الفاعلة في المؤتمر، بما يسهم في بلورة رؤية جنوبية جامعة.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف، رغم تمسك «الانتقالي» بخطابه السياسي حول تقرير المصير، يعكس إدراكاً لمعادلات القوة الجديدة، وحاجة جميع الأطراف إلى طاولة حوار تسبقها ترتيبات أمنية مستقرة.
وخلال لقائه بالقائمة بأعمال السفارة الألمانية، استعرض رئيس مجلس القيادة الرئاسي خلفيات التحرك الرئاسي الأخير في المحافظات الشرقية، مشيراً إلى أن الإجراءات السيادية، بما فيها إعلان حالة الطوارئ وإنهاء الوجود الإماراتي، هدفت إلى حماية التهدئة والحفاظ على المركز القانوني للدولة، ومنع عسكرة الحياة السياسية.
وبينما تتجه الأنظار إلى عدن، وسط توقعات بدخول قوات «درع الوطن» إليها بشكل سلس ومنظم، يبدو الجنوب اليمني أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة ضبط الأمن وتهيئة الأرضية لحوار سياسي طال انتظاره.