باريس – رأت صحيفة ليبراسيون الفرنسية أن توقيع اتفاق الشراكة التجارية بين الاتحاد الأوروبي وتكتل “ميركوسور” في أمريكا الجنوبية يشكّل محطة كاشفة لتراجع النفوذ الفرنسي داخل الاتحاد، ويعكس إلى أي حد لم يعد الرئيس إيمانويل ماكرون قادراً على فرض موقع قيادي لبلاده في القرار الأوروبي، سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي.
وأوضحت الصحيفة أن فرنسا اعتادت تاريخياً التفاوض من موقع الأغلبية داخل الاتحاد الأوروبي، بما يضمن لها لعب دور القاطرة السياسية والدبلوماسية. غير أن رفضها لاتفاق ميركوسور، وهو من أضخم الاتفاقات التجارية التي يبرمها الاتحاد، وضعها هذه المرة في موقع الأقلية، في سابقة نادرة. وحافظت باريس حتى اللحظة الأخيرة على موقفها الرافض للاتفاق الذي يربط الاتحاد الأوروبي بدول ميركوسور الخمس: الأرجنتين، والبرازيل، وبوليفيا، وباراغواي، والأوروغواي. وصوّتت فرنسا بـ“لا” يوم الجمعة إلى جانب بولندا والمجر وإيرلندا والنمسا، فيما امتنعت بلجيكا عن التصويت نتيجة الخلاف بين إقليمي فلاندر ووالونيا، وهو ما يُعد قانونياً بمثابة تصويت ضد.
غير أن هذا المعسكر المعارض، الذي استند في رفضه إلى اعتبارات زراعية بالأساس، لم يتمكن من بلوغ “الأقلية المعطِّلة” المطلوبة لإسقاط القرار، والتي تستوجب إما 13 دولة من أصل 27، أو دولاً تمثل أكثر من 35% من سكان الاتحاد الأوروبي، على أن تضم أربع دول على الأقل من مجلس الاتحاد. في المقابل، رفعت دول أخرى كانت متحفظة، مثل إيطاليا ورومانيا وهولندا، اعتراضاتها بعد حصولها على ضمانات عدة خلال الأسابيع الأخيرة، وانضمت إلى الأغلبية المؤهلة، ما أتاح تمرير القرار وفتح الطريق أمام التوقيع الرسمي على الاتفاق.
وبذلك، تشير ليبراسيون، بات بإمكان رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التوجه إلى باراغواي، التي تتولى الرئاسة الدورية لميركوسور منذ نهاية ديسمبر، لوضع توقيعها على الاتفاق، على الأرجح يوم السبت، بدلاً من يوم الاثنين كما كان مقرراً في البداية، لأسباب تنظيمية.
وتلفت الصحيفة إلى أن وجود فرنسا في موقع الأقلية داخل الاتحاد الأوروبي يُعد أمراً نادراً إلى حد أن دبلوماسيين مخضرمين اضطروا إلى العودة بالذاكرة إلى عام 2001 للعثور على سابقة مماثلة، حين عارضت باريس لائحة “كل شيء إلا السلاح” التي ألغت الرسوم الجمركية على واردات أفقر دول العالم.
وتشير ليبراسيون إلى أن الاعتبارات الزراعية كانت حاضرة آنذاك أيضاً، ولا سيما ما يتعلق بموز الأقاليم الفرنسية ما وراء البحار، وقد طغت هذه الاعتبارات على البعد الأخلاقي لدعم الدول الفقيرة، في سياق سياسي داخلي معقد تميز بالتعايش بين الرئيس الأسبق جاك شيراك ورئيس الوزراء الأسبق ليونيل جوسبان، وقبيل انتخابات 2002 الرئاسية. كما تستحضر الصحيفة واقعة أخرى تعود إلى نهاية عام 1992، حين هددت الحكومة الاشتراكية برئاسة بيار بيرغوفوا باستخدام “تسوية لوكسمبورج” لمنع اتفاق “بلير هاوس” الزراعي بين الجماعة الاقتصادية الأوروبية والولايات المتحدة، وهو الاتفاق الذي مهّد لاحقاً لاتفاق مراكش عام 1994 المؤسس لمنظمة التجارة العالمية، قبل أن تصادق فرنسا عليه في نهاية المطاف بعد مخاض سياسي طويل.
وتؤكد ليبراسيون أن باريس، على خلاف ألمانيا المقيدة بتعقيدات نظامها الفيدرالي، كانت تحرص دائماً على البقاء ضمن صف الأغلبية الأوروبية، حتى وإن اضطرت إلى تقديم تنازلات، بما يعكس تقليدها الدبلوماسي القائم على القيادة وصناعة التوافق. غير أن الوضع تغيّر اليوم، إذ باتت فرنسا نفسها أسيرة اعتبارات داخلية مشابهة لتلك التي تعيق القرار الألماني. ويقرّ دبلوماسي رفيع المستوى، نقلت الصحيفة عنه، بأن “المناخ السياسي الفرنسي الحالي جعل من المستحيل التصويت لصالح الاتفاق”، مشيراً إلى أن باريس كانت تحتاج إلى بضعة أشهر إضافية، بعد تجاوز معرض الزراعة، وفصل الشتاء، والاستحقاقات البلدية والنقابية، والأزمة الصحية التي تضرب الثروة الحيوانية، من أجل إظهار أنها انتزعت نموذجاً جديداً للاستيراد الزراعي، يتضمن إجراءات حماية مشددة، وأخذ تأثير الواردات في الاعتبار على كل سوق وطني، وحظر المبيدات الأخطر، واستثناء الأسمدة من ضريبة الكربون على الحدود، إضافة إلى رفع الميزانية الزراعية في الإطار المالي 2028–2034 بنحو 45 مليار يورو.
ويؤيد هذا الطرح جان-لوك ديمارتي، المدير العام السابق للتجارة الخارجية في المفوضية الأوروبية وأحد المفاوضين على اتفاق ميركوسور، معتبراً أن هذه الضمانات هي التي دفعت إيطاليا ورومانيا وهولندا إلى الانضمام في نهاية المطاف إلى الأغلبية. في المقابل، يعبّر دبلوماسي آخر عن أسفه، مشيراً إلى أن تصويت الجمعية الوطنية الفرنسية ضد الاتفاق، بناءً على مبادرة من حزب “فرنسا الأبية”، وحصول القرار على 245 صوتاً، أي شبه إجماع بين النواب الحاضرين في جلسة 27 نوفمبر، شكّل “حقيقة سياسية ملزمة” لا يمكن تجاهلها. ويؤكد مستشار للرئيس الفرنسي أن الخلاصة التي توصلت إليها الرئاسة والحكومة، رغم كل التنازلات الأوروبية، هي وجود “رفض سياسي شامل”، ما جعل التصويت بـ“لا” الخيار الوحيد المتاح.
وترى ليبراسيون أن السلطات الفرنسية، بعد أن رفعت سقف الرفض عالياً، وجدت نفسها عاجزة عن التراجع من دون خسائر سياسية جسيمة، في ظل غياب أي حزب فرنسي يدافع عن الاتفاق، ومعارضة الرأي العام له، وصمت شبه تام من القطاعات الاقتصادية التي يفترض أن تستفيد منه، ولا سيما في الصناعة والخدمات، إلى جانب الزراعة والنبيذ والمشروبات الروحية والألبان.
وتخلص الصحيفة إلى أن تداعيات هذه الحلقة تتجاوز الاتفاق ذاته، إذ بات واضحاً، في نظر الشركاء الأوروبيين وبقية العالم، أن الرئيس إيمانويل ماكرون لم يعد يتمتع بالثقل الداخلي الكافي لفرض توجهاته، وأن كلمته لم تعد ملزمة سوى له. وهو ما يضعف موقع أوروبا ككل، في وقت تواجه فيه منافسة وضغوطاً متزايدة من الولايات المتحدة والصين وروسيا، فيما تبدو ألمانيا غير قادرة بمفردها على ملء الفراغ القيادي الذي خلّفته فرنسا.