ads
ads

خارطة الاحتجاجات في إيران: تمدد غير مسبوق يشمل أكثر من 100 مدينة وسط تصعيد أمني وقلق دولي

الشغب في إيران
الشغب في إيران

لندن – تشهد إيران منذ أواخر ديسمبر 2025 واحدة من أوسع موجات الاحتجاج الشعبي في تاريخها الحديث، مع تحوّل شوارع عشرات المدن إلى ساحات مواجهة مفتوحة بين المتظاهرين وقوات الأمن، في حراك غير مسبوق من حيث الانتشار الجغرافي واتساع القاعدة الاجتماعية المشاركة فيه.

واندلعت الاحتجاجات على خلفية أزمة اقتصادية خانقة، تفاقمت بفعل التضخم المرتفع، والانهيار الحاد في قيمة العملة المحلية، وتدهور الخدمات الأساسية، إلى جانب الغضب المتراكم من القمع السياسي المستمر. ووفق تقارير إعلامية وحقوقية، أسفرت المواجهات عن سقوط عشرات القتلى واعتقال المئات، بالتوازي مع فرض قيود مشددة على الإنترنت في محاولة للحد من توثيق الأحداث ومنع انتشار الصور ومقاطع الفيديو.

خلفيات الاحتجاج وأسباب تفجره

تعود الشرارة الأولى للاحتجاجات إلى أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، عندما شهدت أسواق طهران الكبرى، وعلى رأسها البازار الكبير، إضرابات واسعة احتجاجاً على التدهور الاقتصادي غير المسبوق. وتزامن ذلك مع انهيار تاريخي للعملة الإيرانية، حيث اقترب سعر الدولار من 1.45 مليون ريال، في ظل تضخم تجاوز 40 بالمئة، وأزمات حادة في الطاقة والوقود والخدمات الأساسية.

وسرعان ما تجاوزت الاحتجاجات الطابع المعيشي، لتتحول إلى حراك سياسي مباشر، ربط بين الأزمة الاقتصادية وبنية النظام السياسي القائم على ولاية الفقيه، موجهاً اتهامات صريحة بالفساد وسوء الإدارة، وانتقاد السياسات الداخلية والخارجية للسلطات.

وبرزت خلال المظاهرات شعارات غير مسبوقة تطالب بإسقاط النظام، إلى جانب دعوات لعودة نظام الشاه محمد رضا بهلوي، مع ترديد هتافات مثل “الموت للديكتاتور” في إشارة إلى المرشد الأعلى علي خامنئي، و”جاويد شاه”، ورفع علم الأسد والشمس المرتبط بالعهد البهلوي.

تصعيد مع بداية عام 2026

مع دخول عام 2026، اتخذت الاحتجاجات طابعاً أكثر حدة، سواء من حيث وتيرة المواجهات أو مستوى العنف المستخدم من قبل قوات الأمن. وسُجّلت مشاركة لافتة من جيل الشباب (الجيل Z) والنساء، مستلهمين تجربة احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت عقب مقتل مهسا أميني عامي 2022 و2023.

وأكدت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان الإيرانية “هرانا” مقتل 42 شخصاً، بينهم 34 متظاهراً و8 من عناصر الأمن، فيما تحدثت منظمات حقوقية عن اعتقال أكثر من ألف شخص. كما أفادت تقارير غير رسمية بمشاركة ميليشيات أجنبية، من بينها حزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي، في عمليات قمع المتظاهرين، وهي تقارير لم تؤكدها السلطات رسمياً.

انتشار جغرافي غير مسبوق

تُعد هذه الاحتجاجات الأكبر منذ عام 2022 من حيث الامتداد الجغرافي، إذ شملت أكثر من 100 مدينة في جميع المحافظات الإيرانية الـ31، وفقاً لمنظمات حقوقية ومعاهد بحثية دولية ترصد الوضع الميداني.

طهران والمناطق المركزية

شكّلت محافظات طهران وألبرز وقم ومركزي مركز الثقل الرئيسي للاحتجاجات، حيث انطلقت من البازار الكبير وامتدت إلى أحياء عدة، منها سعد آباد وكرج. وشهدت العاصمة مظاهرات ليلية تخللتها أعمال حرق لبعض المساجد ورفع أعلام الشاه، إضافة إلى اشتباكات في مناطق مثل مالارد وبارديس، واستحوذت هذه المناطق على أكثر من 20 بالمئة من إجمالي التحركات الاحتجاجية.

المحافظات الغربية

سجّلت محافظات كرمانشاه وإيلام وتشهارمحال وبختياري ولورستان وهمدان كثافة عالية في الاحتجاجات، مع توثيق عشرات التحركات خلال أسبوع واحد. وأغلقت الأسواق في مدن رئيسية بفعل الإضرابات، فيما أثار اقتحام القوات الأمنية لمستشفيات وفنادق في بعض المناطق لاعتقال الجرحى موجة انتقادات داخلية.

الجنوب والشرق

امتدت الاحتجاجات إلى محافظات فارس وخوزستان وسيستان وبلوشستان وكرمان ويزد، حيث شملت الجامعات والأسواق، وشهدت مدن مثل شيراز وأصفهان مظاهرات وحرق رموز للنظام. كما شهدت الأحواز مواجهات عنيفة، بينما انضمت زاهدان إلى الاحتجاجات مع تركّز التحركات في مناطق أقل كثافة سكانية.

الشمال والشمال الشرقي

شهدت مدن تبريز ومشهد مظاهرات واسعة في التاسع من كانون الثاني/يناير، وامتد الحراك إلى رشت وبابل، ما عزز الطابع الوطني الشامل للاحتجاجات.

وشارك في هذه التحركات تجار وعمّال وموظفون وطلبة وسكان أحياء شعبية، وتنوعت أشكال الاحتجاج بين الإضرابات الاقتصادية، والمظاهرات الليلية، وأعمال الشغب، مع شعارات تجاوزت المطالب المعيشية إلى الدعوة لإنهاء النظام السياسي الحالي.

أدوات القمع والتضييق الأمني

في مواجهة هذا التصعيد، حذّر المدعي العام في طهران من أن المشاركين في “أعمال التخريب” سيواجهون أحكاماً قاسية قد تصل إلى الإعدام. وشاركت قوات الحرس الثوري وميليشيا “الباسيج” والشرطة ووحدات مكافحة الشغب في تفريق الاحتجاجات باستخدام الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، وفق توثيق منظمات دولية.

وتحدثت تقارير حقوقية عن سقوط قتلى، بينهم أطفال، في عدة محافظات، إضافة إلى اعتقالات واسعة لمتظاهرين يواجهون مخاطر التعذيب وسوء المعاملة. كما فُرض قطع شبه كامل للإنترنت منذ 7 كانون الثاني/يناير، ما صعّب عملية التوثيق، رغم تسرب مقاطع مصورة من بعض المدن.

ردود الفعل الدولية

على الصعيد الدولي، اتهم المرشد الأعلى علي خامنئي الولايات المتحدة بالوقوف خلف الاحتجاجات، واصفاً المتظاهرين بأنهم “أدوات لأعداء إيران”. في المقابل، هدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل في حال استمرار القمع، فيما أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو دعم بلاده “للشعب الإيراني في سعيه للحرية”.

ويرى خبراء ومحللون أن الاحتجاجات الحالية قد تمثل نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية. واعتبرت سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “تشاتام هاوس”، أن هذه الموجة ستعمّق تآكل شرعية النظام، فيما ذهبت دينا إسفندياري، من “بلومبيرغ إيكونوميكس”، إلى أن حالة الإحباط العامة تشير إلى أن التغيير بات مسألة وقت، معتبرة أن “الجمهورية الإسلامية بصيغتها الحالية قد لا تستمر طويلاً”.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً