تواجه العائلات النازحة في قطاع غزة موجة برد قاسية حولت خيام الإيواء إلى 'غرف تجميد' تفتقر لأدنى مقومات الحياة، مما أدى إلى تصاعد مقلق في عدد وفيات الأطفال الرضع نتيجة انخفاض حرارة الجسم (Hypothermia) وانعدام التدفئة.
وسجلت المصادر الطبية في القطاع خلال الـ 48 ساعة الماضية وفاة الرضيع 'يوسف أبو حماد' (6 أشهر) في منطقة المواصي بخان يونس، بعد معاناته من البرد القارس والتلوث البيئي. وتأتي هذه الحادثة بعد أيام قليلة من وفاة رضيع آخر لم يتجاوز عمره 7 أيام في دير البلح للسبب ذاته.
أرقام الضحايا (شتاء 2025 - 2026): وفقاً للبيانات المحدثة من وزارة الصحة في غزة والمكتب الإعلامي الحكومي، والتقارير الصادرة عن 'اليونيسف' و'الأونروا' حتى أواخر يناير 2026:
رضع غزة
21 حالة وفاة مرتبطة بالبرد المباشر منذ مطلع شتاء هذا العام.
18 طفلاً من بين هؤلاء الضحايا، غالبيتهم من الرضع وحديثي الولادة.
أعلى رقم محتمل: تحذر منظمات حقوقية ومصادر محلية من أن الأرقام المعلنة رسمياً لا تشمل الحالات التي تقضي داخل الخيام في المناطق المعزولة دون الوصول للمستشفيات، حيث تُشير التقديرات غير الرسمية إلى أن العدد الفعلي قد يتجاوز 30 إلى 40 حالة وفاة مرتبطة بمضاعفات البرد وسوء التغذية منذ بداية المنخفضات الجوية في ديسمبر 2025.
تحليل إخباري: الشتاء كسلاح 'صامت' في غزة
إن وفاة الرضع جراء البرد في غزة ليست 'كارثة طبيعية'، بل هي نتيجة مباشرة لتقاطع ثلاثة عوامل سياسية وميدانية حاسمة:
1. سلاح 'البيئة المنهارة'
بعد أكثر من عامين من العمليات العسكرية، أصبحت غزة تفتقر إلى 'العمق المعماري'. تدمير أكثر من 80% من المباني جعل النازحين مكشوفين تماماً أمام المنخفضات الجوية. الخيام المصنوعة من النايلون والقماش لا توفر أي عزل حراري، وعندما تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون 8 درجات مئوية، تفقد أجساد الرضع الضعيفة القدرة على تنظيم الحرارة ذاتياً، مما يؤدي للوفاة الصامتة أثناء النوم.
2. الفجوة الإغاثية والقيود اللوجستية
رغم وجود 'هدنة' أو مسارات إغاثية، إلا أن دخول مستلزمات الشتاء (الملابس الثقيلة، البطانيات الحرارية، والوقود) يواجه قيوداً مشددة. التحليل الميداني يشير إلى أن ما يصل للقطاع لا يغطي سوى 15% من الاحتياج الفعلي لوسائل التدفئة، مما يترك مئات الآلاف من الأطفال في 'عراء مقنّع'.
3. الإنهاك المناعي
الوفاة بالبرد هنا لا تنفصل عن 'سوء التغذية'. الطفل الذي يعاني من نقص حاد في البروتينات والطاقة لا يملك 'وقوداً حيويًا' لإنتاج حرارة الجسم. لذا، فإن وفيات الشتاء في غزة هي الوجه الآخر للمجاعة؛ فالبرد يقتل من نجا من الجوع والقصف.
الخلاصة: المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي جديد؛ فبينما كانت المطالب تنصب على وقف إطلاق النار، تفرض الحقيقة الميدانية في يناير 2026 مطلباً لا يقل أهمية: 'الحق في الدفء'. إن استمرار تساقط الرضع في الخيام يُحول الشتاء من فصل للخير إلى 'مقصلة بيولوجية' تحصد أرواح الجيل القادم في غزة.