تستعد بريطانيا لفصل جديد من التقلبات المناخية، بعد صيف شهد موجات من الحرارة والجفاف، وسط تحذيرات من تصاعد تأثير ظاهرة «إل نينيو» خلال الأشهر المقبلة، وما قد يصاحبها من عواصف وأمطار غزيرة واضطرابات تمتد آثارها إلى الزراعة وإمدادات الغذاء.
ومع تزايد المخاوف من الطقس المتطرف، اتجهت الحكومة البريطانية إلى رفع مستوى استعداد المواطنين للطوارئ، مع الدعوة إلى الاحتفاظ بكميات مناسبة من الطعام والمياه والاحتياجات الأساسية تكفي لفترة مؤقتة، تحسبًا لأي اضطراب قد يؤثر على الحياة اليومية أو وصول الإمدادات.
ولا تعني تلك الدعوات أن بريطانيا تتوقع حدوث نقص غذائي بصورة مؤكدة، لكنها تأتي ضمن توجه أوسع للاستعداد لسيناريوهات الأزمات، في ظل تزايد المخاطر المرتبطة بالمناخ واضطرابات سلاسل التوريد وغيرها من التهديدات.
من صيف جاف إلى مخاوف من شتاء عاصف
المفارقة أن التحذيرات الجديدة تأتي بعد أشهر عانت خلالها المملكة المتحدة من الحرارة والجفاف، إلا أن السيناريو المنتظر خلال الشتاء قد يكون مختلفًا، مع احتمالات ارتفاع معدلات الأمطار وزيادة قوة العواصف.
وقالت وزيرة البيئة والغذاء والشؤون الريفية البريطانية أنجيلا إيجل إن «إل نينيو» المتوقعة قد تكون من الظواهر القوية التي يشهدها العالم، محذرة من أن آثارها لن تقتصر بالضرورة على منطقة بعينها.
وأشارت إلى أن بعض مناطق آسيا قد تواجه فيضانات وأضرارًا كبيرة، فيما يمكن أن تظهر تداعيات مختلفة في بريطانيا، وهو ما يستوجب الاستعداد المبكر بدلًا من انتظار وقوع الأزمة.
لماذا تطلب بريطانيا من مواطنيها تخزين الطعام؟
رسالة الحكومة للمواطنين تقوم على مبدأ الاستعداد للأيام الأولى من أي طارئ، بحيث تستطيع الأسر الاعتماد مؤقتًا على احتياجاتها الأساسية، بينما تتفرغ فرق الإنقاذ والطوارئ لمساعدة الحالات الأكثر احتياجًا.
وبحسب إيجل، فإن امتلاك الأسرة مخزونًا مناسبًا من الطعام قبل وصول المساعدات يجعل قدرتها على التعامل مع الأزمة أفضل مقارنة بمن لا يمتلك احتياجات أساسية تكفيه لهذه الفترة.
ولا يرتبط الاستعداد بالطقس وحده، إذ تتعامل بريطانيا مع مجموعة من السيناريوهات التي يمكن أن تؤثر على الإمدادات، من بينها الكوارث الطبيعية والطقس المتطرف والأوبئة والهجمات الإلكترونية وغيرها من الأزمات المفاجئة.
تحذيرات من اضطراب منظومة الغذاء
وبالتوازي مع التحذيرات المناخية، دق مكتب التدقيق الوطني البريطاني ناقوس الخطر بشأن قدرة منظومة الغذاء على مواجهة الأزمات الكبرى.
ويرى المكتب أن احتمالات تعرض النظام الغذائي البريطاني لاضطرابات أصبحت أكثر أهمية في ظل مجموعة من المخاطر المتزامنة، مطالبًا الحكومة بتطوير استعداداتها لمواجهة الأحداث التي يمكن أن تؤدي إلى خلل حاد في وصول الغذاء.
وطالب وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية بتعزيز التنسيق مع الشركات والأسر ووضع خطط يمكن تفعيلها سريعًا حال حدوث اضطراب كبير في الإمدادات.
وهنا تتقاطع أزمة المناخ مع الأمن الغذائي؛ فالعواصف أو الفيضانات لا تعني فقط أضرارًا في الطرق والمنازل، وإنما قد تمتد آثارها إلى الأراضي الزراعية وعمليات النقل والتخزين والتوزيع.
«إل نينيو» تهدد المحاصيل خارج بريطانيا أيضًا
وتزداد المخاوف بسبب الطبيعة العالمية للظاهرة، إذ يمكن أن تتسبب «إل نينيو» في تغيير أنماط الأمطار والحرارة في مناطق زراعية رئيسية، بما ينعكس على حجم المحاصيل وأسعار السلع في الأسواق الدولية.
وبالتالي، قد تشعر بريطانيا بتداعيات الظاهرة حتى عندما تقع الأضرار الزراعية على بعد آلاف الكيلومترات منها، نتيجة اعتماد أسواق الغذاء على شبكة مترابطة من الإنتاج والاستيراد والشحن والتوزيع.
ومع تضرر محصول رئيسي في دولة منتجة أو تعطل طرق النقل، يمكن أن تنتقل التداعيات إلى دول أخرى في صورة تراجع المعروض أو ارتفاع الأسعار.
المزارعون تحت ضغط الطقس المتطرف
وتأتي المخاوف الجديدة في وقت واجه فيه القطاع الزراعي البريطاني بالفعل ضغوطًا بسبب الظروف الجوية القاسية.
فالحرارة والجفاف وحرائق الغابات التي شهدتها مناطق من أوروبا خلال الصيف أثرت على الزراعة، بينما واجه مزارعون بريطانيون ظروفًا صعبة انعكست على موسم الحصاد.
وهذا الواقع يجعل ملف الأمن الغذائي أكثر ارتباطًا بتقلبات المناخ، خاصة مع تكرار موجات الحرارة والجفاف والفيضانات بوتيرة تفرض على الحكومات إعادة النظر في طريقة تأمين احتياجاتها الأساسية.
ليست «دعوة للهلع»
ورغم العناوين المثيرة التي صاحبت دعوة البريطانيين إلى تخزين الطعام، فإن جوهر التحرك الحكومي هو تعزيز استعداد الأسر للطوارئ، وليس إعلان قرب نفاد الغذاء من المتاجر.
فوجود كمية محدودة من الأغذية والمياه والاحتياجات الضرورية داخل المنزل يمنح السلطات وقتًا أكبر للتحرك عند وقوع أزمة واسعة، ويخفف الضغط عن أجهزة الطوارئ خلال الساعات والأيام الأولى.
«إل نينيو».. أزمة مناخ قد تصل إلى مائدة الطعام
القلق البريطاني يكشف عن تغير في طريقة التعامل مع الظواهر المناخية؛ فلم تعد القضية مرتبطة بدرجات الحرارة أو الأمطار فقط، وإنما بما يمكن أن يترتب عليها من تأثيرات اقتصادية واجتماعية.
فالجفاف يمكن أن يقلل المحاصيل، والفيضانات قد تعطل الإنتاج والنقل، والعواصف يمكن أن تربك سلاسل الإمداد، بينما ينتقل نقص المعروض في النهاية إلى المستهلك في صورة ارتفاع في الأسعار أو صعوبة في توفير بعض المنتجات.
وبعد صيف شديد الجفاف، تجد بريطانيا نفسها أمام احتمال شتاء أكثر رطوبة وعواصف، وبين النقيضين يظل السؤال الأهم بالنسبة للحكومة: هل تستطيع البلاد الحفاظ على تدفق الغذاء والخدمات الأساسية إذا جاءت «إل نينيو» أقوى من المتوقع.