تشهد سوق الذهب في مصر خلال عام 2026 واحدة من أكبر موجات التحول الهيكلي في تاريخها الحديث، مع قفزة غير مسبوقة في واردات الذهب الخام، بالتوازي مع توسع قوي في أنشطة التصنيع وإعادة التصدير، ضمن استراتيجية تستهدف رفع القيمة المضافة للقطاع وتعزيز موقع مصر كمركز إقليمي لصناعة وتجارة الذهب.
وبحسب بيانات حديثة، سجلت واردات مصر من الذهب الخام خلال الربع الأول من عام 2026 نحو 1.809 مليار دولار، مقارنة بنحو 42.7 مليون دولار فقط خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة ضخمة بلغت 4136%، وهو ما يعكس تحولًا جذريًا في نمط تدفقات الذهب إلى السوق المصري.
كما أظهرت البيانات أن شهر مارس وحده استحوذ على واردات بقيمة 498.9 مليون دولار، مقابل 21 مليون دولار في مارس من العام السابق، ما يشير إلى تسارع واضح في وتيرة الاستيراد خلال فترة قصيرة، مدفوعًا بزيادة الطلب على الخام الموجه للتصنيع والتكرير المحلي.
وتأتي هذه الطفرة بعد أداء قوي خلال عام 2025، الذي شهد ارتفاع واردات الذهب الخام بنسبة 499.3% لتسجل نحو 996.1 مليون دولار، مقارنة بمستويات محدودة في العام السابق، ما يؤكد أن السوق المصري دخل مرحلة توسع صناعي واضحة تعتمد على إدخال الخام وإعادة تدويره محليًا.
التحول من التصدير الخام إلى القيمة المضافة
يرى محللون أن الزيادة الكبيرة في واردات الذهب الخام لا تعكس فقط تغيرات في الطلب المحلي، بل تمثل تحولًا استراتيجيًا في فلسفة التعامل مع المعدن النفيس داخل مصر، من مجرد تصدير خام أو استهلاك محدود إلى نموذج يعتمد على “الاستيراد للتصنيع ثم إعادة التصدير”.
هذا النموذج يسمح بزيادة العائد الدولاري من نفس الكمية من الذهب، من خلال رفع القيمة المضافة عبر عمليات التكرير والتشكيل والتصنيع داخل المصانع المحلية، قبل إعادة طرحه في الأسواق العالمية في صورة سبائك أو مشغولات ذهبية.
مسار الذهب إلى مصر
تعتمد واردات الذهب المصرية بشكل أساسي على مراكز تجارة عالمية وليس بالضرورة على دول الإنتاج المباشر، حيث تمر التدفقات عبر عدد من المحاور الرئيسية، أبرزها الإمارات العربية المتحدة وسويسرا وتركيا، إلى جانب الأسواق الأوروبية المرتبطة بسوق لندن للمعادن النفيسة.
وتُعد الإمارات أكبر بوابة تجارية للذهب إلى مصر، حيث سجلت تعاملات مرتبطة بالذهب تقدر بنحو 652 مليون دولار خلال الربع الأول من 2026، مستفيدة من موقع دبي كمركز عالمي لإعادة تصدير الذهب وتداول السبائك.
كما تمثل سويسرا مركزًا رئيسيًا لتكرير الذهب عالميًا، وسجلت تعاملات مرتبطة بالذهب المصري بنحو 476 مليون دولار خلال الفترة نفسها، نظرًا لدورها في تنقية الذهب الخام وتحويله إلى سبائك عالية النقاء قبل إعادة توجيهه للأسواق.
أما تركيا، فتلعب دورًا مهمًا كمركز تصنيع وتجارة، وإن كانت بياناتها التفصيلية أقل شفافية، إلا أنها تظل ضمن أهم الأسواق المرتبطة بسلسلة إمداد الذهب المصري، إلى جانب ارتباطات غير مباشرة بأسواق لندن التي تعد المرجع العالمي لتسعير الذهب.
طفرة في الصادرات بالتوازي مع الواردات
بالتوازي مع ارتفاع الواردات، سجل قطاع الذهب المصري أداءً تصديريًا قويًا خلال الفترة الأخيرة، حيث بلغت صادرات الذهب والمشغولات الذهبية نحو 3.2 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ القطاع.
وشهدت الصادرات توزيعًا شهريًا قويًا، إذ سجلت نحو 929.5 مليون دولار في يناير، ثم ارتفعت إلى 1.804 مليار دولار في فبراير، مع استمرار الزخم التصديري خلال مارس، مدعومًا بزيادة الطلب العالمي على الذهب كملاذ آمن في ظل التوترات الجيوسياسية والحروب التجارية.
وتصدرت أسواق الإمارات والسعودية وتركيا قائمة أكبر المستوردين للذهب المصري، إلى جانب توسع الحضور المصري في أسواق أوروبا والولايات المتحدة، ما يعكس تنوع قاعدة التصدير وتحسن تنافسية المنتج المحلي.
مصر على طريق الكبار
أكد إيهاب واصف، رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات، أن مصر تتحرك بخطوات متسارعة نحو الانضمام إلى قائمة أكبر 10 دول مصدرة للذهب عالميًا بحلول عام 2027، مشيرًا إلى تحسن ترتيب مصر في صادرات المشغولات الذهبية من المركز 94 عالميًا في 2022 إلى المركز 54 بنهاية 2023.
وأوضح أن هذا التطور يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية، أولها ارتفاع الطلب العالمي على الذهب في ظل الاضطرابات الاقتصادية، وثانيها التطور الملحوظ في صناعة المشغولات الذهبية المصرية من حيث التصميم والجودة، وثالثها التوسع في المشاركة بالمعارض الدولية التي ساهمت في فتح أسواق جديدة أمام المنتج المصري.
الإنتاج المحلي وخطط الدولة
في الوقت نفسه، تعمل الدولة على تعزيز جانب الإنتاج المحلي من الذهب والفضة، حيث تستهدف الحكومة إنتاج نحو 557 ألف أوقية ذهب خلال العام المالي المقبل، مقارنة بنحو 531.1 ألف أوقية متوقعة خلال العام الحالي، بنسبة زيادة تقارب 4.9%.
كما تستهدف إنتاج 90 ألف أوقية فضة مقابل 85 ألف أوقية، مع رفع إجمالي مبيعات الذهب والفضة إلى نحو 1.5 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.436 مليار دولار.
وتشير مسودة خطة التنمية الاقتصادية إلى ارتفاع عوائد الخزانة العامة من الذهب والفضة إلى 557 مليون دولار، مقارنة بنحو 179.7 مليون دولار، بزيادة تتجاوز 209%، إلى جانب استثمارات في قطاع التعدين تصل إلى 840 مليون دولار مقابل 820 مليون دولار.
وخلال الفترة من يوليو 2024 حتى ديسمبر 2025، بلغ إنتاج مصر نحو 821.8 ألف أوقية ذهب و132.4 ألف أوقية فضة، فيما وصلت مبيعات الذهب والفضة إلى 3.92 مليار دولار، مع إجمالي إنتاج للمعادن والخامات التعدينية بلغ 42.5 مليون طن.
تعكس البيانات مجتمعة أن قطاع الذهب في مصر يدخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة، تقوم على ثلاث ركائز رئيسية: زيادة واردات الخام، التوسع في التصنيع المحلي، وتعظيم الصادرات.
وبينما ترتفع فاتورة الواردات إلى مستويات قياسية، فإن العائد النهائي المستهدف يتمثل في مضاعفة القيمة المضافة وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجارة وتصنيع الذهب، بما يعزز موارد الدولة من النقد الأجنبي خلال السنوات المقبلة.