في ظل الجدل حول أعداد المعاهد الخاصة وتنوع التخصصات التي تقدمها، ومدى توافق مخرجات التعليم العالي مع احتياجات سوق العمل، تبرز أهمية النظر إلى القضية من زاوية أكثر شمولًا، لا تقتصر على أعداد الخريجين أو معدلات البطالة، وإنما تمتد إلى التوزيع الجغرافي للخدمات، وطبيعة الوظائف، ومستويات الأجور، والمهارات التي يمتلكها الخريج.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة حنان كمال، أستاذة بكلية التربية ومدير مركز التطوير الوظيفي بجامعة العاصمة، في حوار خاص لـ«أهل مصر»، أن اختيار الطالب للكلية أو المعهد بعد الثانوية العامة لا يمثل بالضرورة تحديدًا نهائيًا لمساره الوظيفي، مشيرة إلى أن اكتساب المهارات الإضافية والتدريب المستمر يمكن أن يفتح أمام الخريج فرصًا مهنية متعددة.
وإلى نص الحوار:
س: هل اختيار الطالب لكلية أو معهد معين بعد الثانوية العامة يحدد مستقبله الوظيفي؟
ج: الدراسة الأكاديمية تمثل أحد المسارات التي يبدأ من خلالها الطالب بناء مستقبله، لكنها ليست بالضرورة المحدد الوحيد لمساره الوظيفي، فكثير من الطلاب قد لا يحصلون على المجموع الذي يؤهلهم للالتحاق بالتخصص الذي كانوا يرغبون فيه، ثم يلتحقون بتخصص آخر ويحققون فيه نجاحًا كبيرًا، وقد يصل بعضهم إلى العمل الأكاديمي أو التميز في مهن مختلفة.
والفارق الحقيقي يكون في قدرة الطالب على تطوير نفسه واكتساب مهارات إضافية، سواء داخل الجامعة أو المعهد أو خارجه، وكلما امتلك الخريج مجموعة أكبر من المهارات إلى جانب تخصصه، زادت فرصه في الحصول على وظيفة مناسبة والمنافسة عليها.
س: هل يمكن القول إن هناك تخصصات غير مطلوبة في سوق العمل؟
ج: علينا أولًا أن نوسع مفهوم الوظيفة، سوق العمل لا يقتصر على الطبيب والمهندس والمحاسب والمحامي أو غيرها من المهن التقليدية، وإنما يضم مئات الآلاف من الوظائف والتخصصات والخدمات.
وكل وظيفة أو مهنة موجودة تعني أن هناك احتياجًا إليها، لكن الاختلاف يكون في حجم الطلب على كل مهنة أو خدمة، لذلك، لا يمكن القول إن تخصصًا ما غير مطلوب بصورة مطلقة، وإنما يجب النظر إلى عدد الوظائف المتاحة، وحجم الاحتياج، ومكان وجود هذا الاحتياج.
س: وماذا عن أعداد الخريجين التي قد تتجاوز أحيانًا حجم الوظائف المتاحة؟
ج: عند الحديث عن أعداد الخريجين، يجب أن نضع في الاعتبار حجم السكان والاحتياجات المتنوعة للمجتمع، نحن أمام مجتمع كبير يحتاج إلى خدمات متعددة في الصحة والتعليم والغذاء وغيرها، إلى جانب احتياجات المؤسسات والقطاعات المختلفة.
لذلك، قد يكون عدد الخريجين في بعض المجالات أقل من حجم الخدمات المطلوبة فعليًا، لكن المشكلة أحيانًا تكمن في التوزيع الجغرافي وليس في عدد الخريجين نفسه.
س: كيف يؤثر التوزيع الجغرافي على فرص الخريجين؟
ج: هناك محافظات تعاني نقصًا في بعض الخدمات والتخصصات، في حين تعاني محافظات أخرى من تكدس مقدمي الخدمات في مهن معينة، هذا التفاوت قد يعطي انطباعًا بأن هناك تخصصات غير مطلوبة أو أن سوق العمل لا يستوعب الخريجين، بينما يكون السبب الحقيقي هو سوء التوزيع الجغرافي.
فقد نجد منطقة تحتاج إلى عدد أكبر من المتخصصين، بينما توجد منطقة أخرى بها عدد كبير من مقدمي الخدمة يفوق حجم الطلب عليها، ولذلك فإن الحكم على الاحتياج يجب أن يراعي المكان إلى جانب التخصص.
س: وهل الأجور تؤثر في معدلات البطالة أو عزوف الخريجين عن بعض الوظائف؟
ج: بالتأكيد مستويات الأجور تمثل عاملًا مهمًا في قبول الخريجين للوظائف، فقد تكون هناك فرصة عمل متاحة، لكن الخريج يرفضها لأن الراتب لا يتناسب مع طبيعة العمل أو لا يلبي احتياجاته الأساسية.
وبالتالي، فإن عدم قبول بعض الخريجين للوظائف لا يعني بالضرورة عدم وجود وظائف أو عدم احتياج المؤسسات إلى هذه الكفاءات، لذلك، يجب التعامل بحذر مع بعض المؤشرات وعدم اعتبارها دليلًا منفردًا على وجود تشبع في تخصص معين.
س: وماذا عن التوسع في إنشاء الجامعات والمعاهد الخاصة؟
ج: وجود أي مؤسسة للتعليم العالي لا يأتي بصورة عشوائية، وإنما يفترض أن يخضع لدراسات ومعايير تتعلق بأعداد الطلاب والطاقة الاستيعابية والاحتياجات التعليمية، كما أن الجامعات الحكومية لا تستطيع استيعاب جميع الراغبين في الالتحاق بالتعليم العالي، لأن لكل كلية قدرة استيعابية مرتبطة بعدد أعضاء هيئة التدريس والمعامل والفصول والإمكانات المتاحة.
ولهذا توجد مسارات متعددة للتعليم العالي، منها الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية، والجامعات التكنولوجية، والمعاهد العليا والمتوسطة، وتنوع هذه المسارات يساعد على استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب وتوفير فرص تعليمية تتناسب مع قدراتهم وظروفهم المختلفة.
س: وما أهمية المهارات الإضافية إلى جانب التخصص الدراسي؟
ج: أصبحت المهارات الإضافية عنصرًا أساسيًا في المنافسة على الوظائف، وعلى الطالب ألا يكتفي بما يدرسه في تخصصه، وإنما عليه تطوير مهاراته في اللغات، وتكنولوجيا المعلومات، والمهارات الشخصية والتواصل وغيرها.
وهنا يأتي دور مراكز التطوير الوظيفي الموجودة في الجامعات، والتي تقدم برامج تدريبية تساعد الطلاب على اكتساب المهارات التي يحتاجون إليها بعد التخرج.
س: وما الرسالة التي توجهينها للطلاب؟
ج: أنصح الطلاب بالاستفادة من مراكز التطوير الوظيفي والمراكز المهنية الموجودة في الجامعات، والتي تقدم خدماتها بصورة مجانية، والعمل على تطوير أنفسهم إلى جانب الدراسة الأكاديمية.
وأؤكد أن كل التخصصات لها احتياج، وكل خريج يمكن أن يجد مكانه إذا امتلك التخصص والمهارات المناسبة، والمطلوب هو أن يعمل الطالب على نفسه منذ سنوات الدراسة، حتى يكون قادرًا على المنافسة والحصول على فرصة مهنية مناسبة، والمساهمة في التنمية وبناء المستقبل.