ads
ads

من طفل حُرم من المدرسة لمدير للرقابة والتفتيش ببريد الأقصر ..صلاح الوكيل رحلة من ظلام الأمية إلى نور العلم

صلاح الوكيل
صلاح الوكيل

لم يكن يحمل شهادة ميلاد، ولم تطأ قدماه المدرسة في موعده مثل أقرانه، لكنه حمل شيئًا كان أقوى من كل الأوراق الرسمية، حلمًا صغيرًا بأن يتعلم، سنوات قضاها وهو ينظر إلى أطفال قريته وهم يتجهون إلى مدارسهم، بينما بقي هو خارج أسوارها، لكن الطفل الذي حُرم من مقعد الدراسة، رفض أن يُحرم من حقه فى الحلم.

صلاح الوكيل

من قرية الحميدات شرق التابعة لمركز ومدينة إسنا جنوب محافظة الأقصر، بدأت حكاية صلاح محمد حسن، الشهير بـ « صلاح الوكيل»، الذي استطاع أن يحول واحدة من أصعب بدايات الحياة إلى قصة نجاح استثنائية، بدأت من محو الأمية وانتهت به مديراً لإدارة الرقابة والتفتيش بالإدارة العامة لمنطقة بريد الأقصر.

يتذكر «صلاح» طفولته قائلاً لـ أهل مصر :' إن ظروف أسرتي حالت دون استخراج شهادة ميلاد لي ولإخوتي فى الوقت المناسبة، بسبب زواج والديّ على السنة، لتفوت علي سنوات الالتحاق بالمرحلة الإبتدائية، وكنت أشاهد أصحابي وأبناء جيراني يذهبون إلى المدرسة كل صباح، وأنا لست معهم، كنت أتمنى أن أتعلم مثلهم، وكنت أذهب إلى والدتي وأخبرها أنني أريد التعليم.

ويضيف أن والدته كانت تحاول أن تمنحه ما تستطيع، فتشتري له الكراسات والأقلام، بينما كان هو يحاول أن يتعلم من أصدقائه بعد عودتهم من المدرسة، لافتا إلى أنه لم يكن يعرف وقتها إلى أين سيصل به هذا الشغف، لكنه كان يعرف شيئا واحدا؛ أنه يريد أن يتعلم.

أدركت الأسرة أن الأمر بالنسبة لصلاح لم يعد مجرد رغبة عابرة، فساعدته على الالتحاق بفصل لمحو الأمية في محافظة قنا، رغم المسافة عن قريته، ثم بدأ فصل جديد من المعاناة فى حياة ' الصغير' سفر متكرر، ومسافات طويلة، وظروف لم تكن سهلة على طفل يحاول أن يشق طريقه نحو التعليم، لكن صلاح لم ينظر إلى المسافة باعتبارها عائقاً بل اعتبرها جُزءًا من الطريق، وبعد رحلة شاقة، حصل على شهادة محو الأمية، ثم تم استخراج شهادة ميلاد له، لتفتح أمامه أخيرًا أبواب التعليم النظامي.

التحق الوكيل بالمرحلة الإعدادية مع أقرانه الذين كان يراهم ذات يوم يذهبون إلى المدرسة من بعيد لكنه هذه المرة لم يكن واقفاً على الهامش، بل أصبح واحدًا منهم.

لم يكن صلاح مجرد طالب عاد إلى التعليم متأخرًا، وانما أثبت سريعاً أن سنوات الحرمان لم تستطيع إطفاء شغفه، حيث تفوق فى المرحلة الإعدادية، وشجعه مُعلموه على مواصلة الطريق، خاصة بعد الإعلان عن فرص للطلاب المتفوقين للالتحاق بفصل البريد، تمهيداً للعمل في البريد المصري، وحصل صلاح على الدرجات المطلوبة، وتقدم للالتحاق بالفصل، وتم قبوله، وفي نهاية الدراسة، لم يكتفِ بالنجاح، بل حصل على المركز السابع، ليكون ضمن العشرة الأوائل الذين أُتيحت لهم فرصة استكمال الدراسة بالتجارة، شعبة البريد.

بعد تعيينه في البريد، وتوليه لاحقاً مسئولية مدير مكتب بريد الحِليلةُ عام 2014، كان يمكن لصلاح أن يعتبر أنه وصل إلى ما كان يتمناه، لكن الرجل الذي قطع المسافات من أجل شهادة محو الأمية لم يكن مستعدًا للتوقف عند وظيفة.

استكمل دراسته بكلية التجارة، شعبة البريد، وحصل على مؤهله الجامعي، ثم اتجه إلى الدراسات العليا، بعدما ظل حلم الحصول على الماجستير والدكتوراه حاضرًا في ذهنه، ولعدم وجود الشعبة التي يرغب فيها بجامعة جنوب الوادي، اتجه إلى جامعة سوهاج، حيث حصل على الدراسات العليا بتقدير جيدا جدا، ثم بدأ إجراءات دراسة الماجستير، وفي الوقت الذي كان يواصل فيه رحلته العلمية، كان يواصل كذلك رحلة الصعود الوظيفي، فتولى مهام رئيس مجموعة بهيئة بريدية، قبل أن يصل إلى موقعه الحالي مديراً لإدارة الرقابة والتفتيش بالإدارة العامة لمنطقة بريد الأقصر.

ويرى صلاح أن أكبر معركة خاضها لم تكن مع الفقر أو المسافات أو تأخر الالتحاق بالتعليم، وإنما كانت مع فكرة الاستسلام نفسها، مشيرا إلى أن العقبات التي واجهته، بعضها كان اقتصادياً، وبعضها الآخر مرتبطًا بظروف عدم الاهتمام بالتعليم، لكنه يؤكد أن الشغب بالعلم كان دائما أقوى من تلك الصعوبات.

ويوجه صلاح رسالة للأجيال الجديدة بعد رحلته مع العلم بقوله: « إن لم تكن متعلمًا فأنت لا شيء، وإذا لم تستطع إضافة جديد فأنت بذلك تكون عبئا على الأرض، تعلموا وتمسكوا بالعلم، فهو الباقي'، مختتما حديثه بتوجيه الشكر إلى والده ووالدته ومُعلميه وأصدقائه، الذين كان لتشجيعهم ودعمهم دور في مساعدته على مواصلة الطريق.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً