'الأرض لا تحتضن الأجساد فكأنما تختار جيرانها.. وفي أرض الشهداء، لا توجد مصادفات، بل هي أسطرٌ تُكتب بعناية إلهية لتسرد ملحمة الخلود.' ففي مشاهد تُجسد أسمى معاني الوفاء والتكريم الإلهي، يقف المزار الأخير للشهيد النقيب أحمد النشار ليشهد على حقيقةٍ إيمانية وتاريخية فريدة؛ حيث لم تكن رقعة الأرض التي ووري فيها الثرى مجرد مدفنٍ عابر، بل كانت بقعةً مقدسةً اختارتها المقادير بعناية لتجمعه بأطهار التاريخ وشهداء الأزمان.
في موقعٍ يتضوع ببراعم البطولة، يقع قبر النقيب أحمد النشار ليتحول إلى محرابٍ تتصل فيه أمجاد الحاضر ببطولات الماضي، وكأن السماء أبت إلا أن تُحيط هذا البطل الشاب بصفوةٍ من الأبطال الذين خُطت أسماؤهم بماء الذهب في أنصع صفحات التاريخ الإنساني.
مقبرة ال 30 شهيد
بين مقابر الهنود المسلمين والشهداء الجزائريين
عند النظر في تفاصيل المكان، تتجلى عظَمَة المشهد الدال على وحدة قضية الدفاع عن الحق والأرض عبر العقود:
شمالاً.. مقبرة الهنود المسلمين (1914):
يواجه قبر الشهيد أحمد النشار مباشرةً مرقد 30 شهيداً من الجنود الهنود المسلمين الذين قضوا نحبهم واستُشهدوا في معارك الحرب العالمية الأولى عام 1914. هؤلاء الذين قطعوا آلاف الأميال ليُسجلوا بدمائهم الطاهرة موقفاً لا يُمحى في سجلات الفداء.
شواهد الأبطال الجزائريين:
على الناحية الأخرى.. شواهد الأبطال الجزائريين:
في المقابل، تحرس المكان أضرحة الجنود الجزائريين الذين سقطوا في معترك ذات الحرب العالمية، ليمتزج الثرى العربي بالإسلامي في لوحةٍ تضحوية واحدة تتجاوز حدود الجغرافيا وتصل بين القارات.
شواهد الأبطال الجزائريين:
لم يكن استقرار جثمان الشهيد النقيب أحمد النشار بين هذه الأضرحة التاريخية مجرد جوارٍ بالصدفة ، بل هو حلقة وصلٍ ملحمية بين أجيالٍ تفصل بينها أكثر من مئة عام ، يمثل وجوده في هذا الموقع إضافةً سامية لبقعةٍ مباركة، وكأن الأرض نفسها أبت إلا أن تضم بطل هذا الزمان إلى رفقاء الدرب الأقدمين، ليكون درة تاج متلألئة في عرين الشهداء.
رسالة وفاء.. أرضٌ لا تنسى أبطالها
إن هذه المصادفة الربانية تحمل في طياتها رسالةً لكل من يزور هذا المكان: 'إن دماء الشهداء لا تُنسى، وأن الله يرفع منازلهم في الدنيا والآخرة.'
يقف قبر النقيب أحمد النشار اليوم شامخاً، محاطاً بأبطال الأمس، ليروي لزائريه قصص العزة والكرامة، وليؤكد أن بطولات رجال المؤسسات الوطنية ليست سوى استكمالٍ لعهدٍ قطعه الشرفاء عبر العصور: أن تبديل الأرواح في سبيل الواجب هو أعظم ما يتركه الإنسان من أثر.