قد يتبادر إلى ذهن المشاهد العادي، أو حتى الناقد السطحي، أن فيلم "تتح" للفنان محمد سعد ليس أكثر من حلقة جديدة في سلسلة أفلامه التي تعتمد على "التيمة" الشعبية ذاتها، مستغلاً فيها خفة ظل الشخصية وتكرار النمط الفكاهي الذي يستهدف القاعدة الجماهيرية العريضة. ففي هذا السياق، يُنظر إلى "تتح" كمنتج تجاري يهدف إلى استدرار الضحكات عبر مفردات لغوية مبتكرة وحركات جسدية مألوفة، ضمن نسيج درامي لا يخرج عن دائرة "الكوميديا الشعبية" التي اعتاد عليها جمهور محمد سعد في تجاربه السابقة، مما يجعله -في نظر البعض- مجرد امتدادٍ لنمط "اللمبي" أو "بوحة".
غير أن القراءة المتأنية والمفككة لشخصية "تتح" تكشف عن عمق فلسفي يتجاوز بكثير حدود الكوميديا السطحية، حيث يقدم محمد سعد شخصية تكاد تطابق في جوهرها وفلسفتها شخصية "تشانس" (Chance) المذهلة التي جسدها النجم الراحل بيتر سيلرز في الفيلم الأمريكي الشهير "Being There" (أن تكون هناك) عام 1979. فالتشابه هنا ليس في الشكل أو الأداء الحركي، بل في تلك الحالة الفريدة من "البساطة المطلقة" التي تتحول بفعل البيئة المحيطة إلى "حكمة غامضة". تماماً كما كان "تشانس" بستانياً بسيطاً يختزل العالم في معادلات الطبيعة والنمو، كان "تتح" شخصية تعيش في عالمها الخاص، بمعزل عن تعقيدات النخبة أو تطلعات المثقفين، لكنها بساطةٌ قادرة على تعرية زيف الواقع.
وتكمن المفارقة في أن كلاً من "تتح" و"تشانس" يمارسان تأثيرهما في العالم لا عن وعيٍ سياسي أو إدراك استراتيجي، بل عن طريق "الصدفة" التي تضع هذه الشخصيات البسيطة في مراكز صنع الحدث. إن المجتمع المحيط، في كلا الفيلمين، هو الذي يمنح هذه الشخصيات هالة من العبقرية؛ فكلمات "تتح" العفوية عن حياته اليومية المحدودة، حين تُسمع من قبل "أدعياء الثقافة" أو المتخبطين في أزماتهم، يتم تأويلها على أنها فلسفة عميقة أو رؤية استشرافية للمستقبل. وبذلك، يتحول "تتح" في الوعي الجمعي لمن حوله إلى "حكيم" أو "رجل عارف"، بينما هو في حقيقته لم يفعل شيئاً سوى أن كان على سجيته المطلقة، ليعيد محمد سعد بذلك طرح سؤال جوهري: هل الحكمة في القائل، أم في من يسمع ويحتاج إلى تفسير ما هو بسيط ومباشر؟
بهذه المقاربة، يرتفع فيلم "تتح" من مجرد تجربة كوميدية شعبية إلى مصاف الأعمال التي تتبنى "فلسفة الوجود عبر البساطة". إن محمد سعد، بتقديمه لهذه الشخصية، لا يستهدف فقط إضحاك الطبقة الشعبية، بل يسخر -عن قصد أو غير قصد- من تلك النخبة التي تغرق في بحور "الفيمولوجيا" والمصطلحات المعقدة، في حين تكمن الحقيقة -التي يمثلها تتح- في أشد صورها بساطةً ووضوحاً. إن هذا التماثل مع فيلم "Being There" يجعلنا ندرك أن محمد سعد، في تجربته هذه، قد لامس وتراً إنسانياً عالمياً، حيث تتحول البراءة من "نقصٍ في الإدراك" إلى "أداة كاشفة" لزيف العالم المحيط.
تدور أحداثه حول "تشانس" (Chance)، وهو رجل بسيط جداً ومحدود الأفق، قضى كل حياته يعمل كبستاني في منزل مغلق في واشنطن، ولم يخرج إلى العالم الخارجي أبداً، ولم يتعلم سوى ما رآه على شاشات التلفاز. بسبب ظروف معينة، يجد نفسه فجأة في العالم الخارجي، ويرتدي ملابس أنيقة، فيظن الناس أنه رجل أعمال غامض وذو نفوذ. عبقريته تكمن في بساطته؛ فكلما سأله شخص سؤالاً سياسياً أو فلسفياً عميقاً، كان يجيب بجملة بسيطة جداً عن "البستنة" والحدائق. وبسبب حالة الارتباك التي يعيشها المجتمع والسياسيون حوله، كانوا يفسرون كلامه البسيط على أنه حكمة عميقة ومجازات سياسية مذهلة، حتى أصبح مستشاراً لأقوى الشخصيات في الدولة.
فتتح على الرغم من أنه شخص عادي محدود الثقافة إلا كان قادرا في كل المواقف على أن ينطق بالحقيقة وبالحكمة التي لا يجرؤ من يعتبرون أنفسهم حكماء قادرين على النطق بها. لقد شاهدت هذا الفيلم أكثر من 400 مرة حتي الان، ولا أزال اشاهده . وكنت في كل مرة أتوقف عن مشهد تتح بائع الصحف وهو يناقش استاذ الجامعة في المدرج ويجيب على السؤال حول المواطنة بأن المواطنة تعني له ضمن ما تعنى ( عيش الانبوبة والدائري بالليل) ، وعندما يسخر منه استاذ الجامعة يشرح له تتح كيف أن الناس تتعرض للسرقة على الدائري ولم يشرح أهمية الانبوبة على اعتبار أنها تشير لحق المواطن في الحصول على الطعام والطاقة بثمن في متناول يده بخلاف لقمة العيش. فليس صحيحا أن الفيلم لإضحاك الناس فقط بل قام فيه محمد سعد بما قام به مستر جرين، وهو الرجل البسيط الذي وجه مواعظ للمجتمع وللسياسيين وحتى للدولة.
إن محمد سعد هو الامتداد الطبيعي للفنان الكبير الراحل محمود شكوكو الذي أبدع لنا فيلم عنتر وبلبل، وكان من كلاسيكيات السينما المصرية التي عززت فكرة مقاومة الاحتلال الانجليزي . ولكن مع ذلك فإن محمد سعد في فيلم تتح يتجاوز "تشانس" (Chance) في الفيلم الأمريكي Being There، فقد كان عند تتح الشجاعة ليلقي على الجمهور ما تشبه العظة خاصة في المشهد الذي يتصدى فيه لظاهرة زواج القاصرات من اثرياء عرب.
وفي نفس الوقت يعيد محمد سعد إلقاء العظة عندما خاطب لواء الشرطة في مشهد اقتحام البنك وقال له " والله البلدي دي ماشية بالبركة " وذلك ردا على جملة اللواء له بأنه لا يملك خطة لتحرير الرهائن داخل البنك، ثم يعيد العظة للواء مجددا عندما يقول " أنا مش عايز حاجة من مصر بس مصر عايزة مني إيه" .
لا يجب أن نخطأ محمد سعد كما يحلو لبعض النقاد وصف أفلامه بالسطحية والتفاهة بداية من سلسلة أفلام اللمبي وحتي فيلم حياتي مبهدلة، في كل فيلم من أفلامه يلجأ محمد سعد للتقرب من الطبقات الشعبية وينقل لهم العظة والدرس، ولكن بطريقة تبدو أسهل في الفهم والمنطق، نذكر له عظة يلقيها أمام القاضي في فيلم بوحة عندما يطالب القاضي بأن يبحث عن حل لأزمة المواطن الذي لا يجد لقمة العيش، وكأن بوحة الصباحي كان في ذلك الوقت يحذر من ثورة في طريق، وهى الثورة التي حدثت بالفعل بعد ذلك .
لطالما راودتني فكرة الكتابة عن "تتح" وعن عالم الفنان محمد سعد الثريّ بتناقضاته، لكنني كنت أتراجع في كل مرة، ليس عجزاً عن التعبير، بل تحسباً لتلك النظرة المتعالية التي سيقابلني بها "أدعياء الثقافة" وأصحاب النقد المهرطق، الذين يملؤون الفضاء العام بعبارات جوفاء. كنت أدرك مسبقاً أنهم سيصوبون سهام سخريتهم نحو أي محاولة جادة لتفكيك شخصيات مثل اللمبي، وبوحة، وتتح، لأنهم يضعون أنفسهم في برج عاجي، لا يرضون إلا بالمصطلحات المعقدة التي لا يُفهم كنهها، حتى من قِبَل من يخطّها على الورق.
ومن هنا، ولدت لديّ الرغبة في خوض هذه "اللعبة الثقافية" بقواعدهم الخاصة. قررت أن أستلَّ من جعبتهم مفردة "فيمولوجيا"، تلك الكلمة التي لا أصل لها ولا فصل، ولا تحمل في طياتها أدنى معنى لغوي أو فلسفي، لكنها تمتاز بـ "جرس موسيقي" يوهم القارئ بأن صاحبها غارق في دراسات ما وراء الطبيعة أو التحليل البنيوي. حشرتُ هذه الكلمة عمداً في عنوان مقالي عن "تتح ومحمد سعد ومستر جرين"، ليس لأنني أحتاجها، بل لأنني قررت أن أرتدي قناع النقد الرفيع الذي يختبئ خلفه هؤلاء المتشدقون؛ ذلك القناع الذي يفرض على الكاتب أن يكتب ما لا يفهمه الناس ليثبت "عمقه ووعيه".
كان هدفي منذ البداية هو نصب فخٍ معرفي؛ أن أخدع كل من يقرأ العنوان، ليظن أنني سأغوص به في دهاليز الفلسفة الاستعلائية. لكن الحقيقة التي كنت أضمرها –والتي سأكشف عنها في ختام المقال– هي أن لغة "تتح"، ومفردات "بوحة" المبعثرة، وتلعثم "اللمبي" الفطري، هي اللغات الأكثر صدقاً وتأثيراً.
إن هذا الاستخدام الساخر لـ "الفيمولوجيا" في العنوان ليس إلا وسيلة لكشف زيف لغتهم؛ ففي الوقت الذي يبحث فيه "المثقف المزعوم" عن كلمة لا يفهمها الناس ليشعر بالتفوق، ينجح محمد سعد –ببساطته وعفويته– في اختراق وجدان الشارع بكلمات بسيطة، مفهومة، ونابعة من قلب الواقع. في النهاية، أريد أن أثبت للجميع أن لغة هؤلاء البسطاء هي التي تعيش وتؤثر، بينما تذرو الرياحُ كلَّ كلامٍ منمّقٍ لا يرتكز على إنسانية حقيقية، وكلَّ "فيمولوجيا" مزيفة لا هدف لها سوى الاستعراض الأجوف.