ads
ads

محمد مختار يكتب عن رهان الساعات الأخيرة و"المأزق التراجيدي" الذي تعيشه إيران

محمد مختار
محمد مختار

ما أصعب أن يجد النظام نفسه فجأة أمام "اللحظة الصفرية"، حيث تضيق الخيارات حتى تصبح في سم الخياط، وحيث يصبح الوعيد بالانتقام مجرد صرخة مكتومة في عاصفة تقنية عاتية.

خرج علينا السيد علي لاريجاني، مستشار المرشد، يتوعد إسرائيل والولايات المتحدة بـ "درس لن ينساه التاريخ". والواقع أن منطق "الدروس" في السياسة الدولية قد تغير تماماً؛ فلم يعد الأمر يتعلق بحشود الجيوش ولا بخطابات التعبئة الحماسية، بل أصبح "الدرس" يُكتب اليوم بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، ويُنفذ بصواريخ تخترق الحصون قبل أن يسمع الضحية أزيز الطائرة.

إن ما يغيب عن خطاب "الدروس" التقليدي هو أن الخصم اليوم يمتلك ما يمكن تسميته بـ "السيادة المعلوماتية المطلقة". فعندما تحلق طائرات (B-21) فوق المنشآت الإيرانية دون أن يرتد لها طرف رادار واحد، فإنها لا تحمل قنابل فحسب، بل تحمل "شهادة وفاة" لعقيدة الدفاع الجوي الإيرانية (S-300 و "باور 373") التي أصبحت كأنها سيوف خشبية في مواجهة مدافع آلية.

المصيدة الاستراتيجية

القيادة الإيرانية الآن عالقة في "مصيدة":

هذا هو جوهر "المأزق التراجيدي" الذي تعيشه طهران؛ فهي لا تواجه مجرد عدو عسكري، بل تواجه "مستقبلاً تقنياً" لم تستعد له. إنها اللحظة التي يكتشف فيها النظام أن جدرانه الإسمنتية وأنفاقه الجبلية، التي شيدها على مدار أربعين عاماً، قد أصبحت "بيوتاً من زجاج" أمام أشعة الليزر وخوارزميات الرصد.

إليك استكمال هذا التحليل بأسلوب أحمد بهاء الدين الرصين، لنختم به هذا المشهد الدرامي:

بين "هيبة الدولة" و"بقاء النظام": رهان الساعات الأخيرة

إن المعضلة التي تضع لاريجاني ورفاقه أمام "المقصلة التاريخية" هي أن الخصم قد سلبهم أهم ما يملكه المحارب: "عنصر المفاجأة". ففي حروب الماضي، كان بإمكانك أن تضرب وتختبئ، أما في حرب "البرمجيات والجراحة الجراحية"، فإن مجرد "النية" في الرد تُترجم فوراً إلى نبضات إلكترونية على شاشات غرف العمليات في "فورت براغ" أو "تل أبيب"، لتنطلق "اللدغة" قبل أن يتحرك الصاروخ من قاعدته.

نحن أمام واقعين لا يلتقيان:

واقع الخطاب: الذي يحاول استنهاض "كاريزما" غائبة (خامنئي) وعقيدة قتالية تعتمد على الحشود والوكلاء.

واقع الميدان: الذي تسيطر عليه طائرات (B-21) الشبحية، وهي طائرات لا تقصف المنشآت فحسب، بل تقصف "المنطق" الذي قام عليه نفوذ طهران الإقليمي.

إن "المخاض العسير" الذي نترقبه ليس مجرد تغيير في موازين القوى، بل هو إعلان عن "انتهاء صلاحية" نموذج القوة التقليدية في الشرق الأوسط. فإذا نفذت طهران وعيدها، فهي تنتحر "تكتيكياً" بتقديم ما تبقى من رأسها للسكين؛ وإذا صمتت، فهي تنتحر "معنوياً" أمام جمهورها وحلفائها.

المعضلة الإيرانية اليوم ليست في الرغبة في الرد، بل في "القدرة" عليه.

إيران تجد نفسها الآن تحت طوق تقني خانق. فطائرات (F-35) و(B-21) لا تحلق فقط فوق المنشآت، بل تحلق فوق "الإرادة السياسية" ذاتها. إن ما تصفه الدوائر الاستخباراتية بـ "الانكشاف الاستراتيجي" هو في حقيقته "عُري عسكري" كامل. أي تحرك لمنصة صواريخ، أو خروج لزوارق انتحارية من مخبئها، سيتم رصده ومعالجته في ثوانٍ معدودات. وهنا تصبح البطولة مجرد "انتحار"، ويصبح الوعيد مجرد "مقامرة" قد تعجل بسقوط المسمار الأخير في نعش النظام.

ثلاثة سيناريوهات تتأرجح بينها طهران، وكلها مرّ:

إما تحريك "الوكلاء" في المنطقة لتخفيف الضغط عن الداخل، وهو رهان قديم قد لا يصمد أمام إصرار الخصم على قطع "رأس الأفعى" لا أطرافها.

وإما محاولة خنق الاقتصاد العالمي في مضيق هرمز، وهي خطوة تعني إعلان الحرب على العالم أجمع، لا على إسرائيل وحدها.

وإما "الضربة اليائسة" بما تبقى من صواريخ، وهي مقامرة نتائجها شبه مؤكدة في ظل منظومات اعتراض تتربص بكل ما يطير.

إن ما تعيشه طهران اليوم هو "الارتباك الكبير". فاجتماع الصدمات الثلاث: غياب الرأس المدبر (خامنئي)، واغتيال النخبة العسكرية، وتحطم 80% من القوة الصاروخية، جعل مؤسسات الحكم تتخبط في "عمى ميداني" كامل. المقاتل الإيراني اليوم يواجه خصماً لا يراه، "تكنولوجيا غيبية" تضرب من خارج مدى الرؤية والرادار، مما يجعل استنهاض الروح القتالية مجرد حرث في البحر.

إننا أمام ساعات هي الأخطر في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.

السؤال لم يعد: هل سترد إيران؟ بل السؤال هو: هل تدرك إيران أن قواعد اللعبة قد كُتبت من جديد بمداد من النار والتقنية؟ الرد الذي يحفظ "ماء الوجه" قد يكلف إيران "بقية الجسد".

إما الانحناء أمام العاصفة التقنية العاتية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإما المضي في "وعيد" قد يكون هو السطر الأخير في كتاب النظام الحالي. الدرس الحقيقي الذي يجب أن يوعى هو أن الشجاعة بلا علم، والوعيد بلا تفوق، ليس إلا دعوة مفتوحة للدمار الممنهج.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً