ads
ads

غادرونا ولم نردّ لهم الجميل.. السودان الحبيب يشكو تآمر الأشقاء على جسده الجريح

محمد مختار
محمد مختار

في المنطقة الواقعة بين شارع فيصل واللبيني بمحافظة الجيزة، تتراص كل يوم الحافلات التي تنقل السودانيين العائدين إلى بلادهم، بعد سنوات من الإقامة في مصر بسبب النزوح والحرب. والحقيقة أنني أحاول أن أقترب من الراحلين لألقي عليهم تحية الوداع؛ أقترب منهم ولكن لا أجد في نفسي الشجاعة لأتكلم. وعلى الرغم من محبة الأغلبية الصامتة من مصر غير الرسمية للسودان الحبيب وأهله وترحابهم بكل من يفد إليهم طلباً للأمان، إلا أن مصر الرسمية خذلت السودان في وقت لم يكن الخذلان فيه هو الجزاء الوافي لجميل السودان التاريخي الذي قدمه لمصر، مصر التي غنى لها مطرب السودان الراحل الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي ، "مصر يا اخت بلادي يا شقيقة ".

أما الخذلان فقد ظهر عندما تخلت مصر الرسمية عن دورها التاريخي تجاه السودان الحبيب، وتركته فريسة لميلشيا مارقة متعطشة للدماء ولا يعرف أحدٌ تفسيراً مقبولاً لسلوكها، ضدّ السودان وضدّ شعبه وأهله الذين اشتهروا بالطيبة والبساطة وسلامة النية. كما تجلى هذا الخذلان في أبشع صوره من خلال الحملات الممنهجة من مرتزقة اللجان الإلكترونية على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تصف اللاجئين بـ"الهكسوس"، وتحقرهم، وتتعالى عليهم. وبعض هذه الحملات تتضمن عنصرية بغيضة، وسخرية، وتنْمُّراً.

لقد مدّت أغلبية الشعب المصري الصامتة يدها مرحبة بكل من يطلب الأمان بين ظهرانيهم، لكن القلة من تجار الأزمات الذين يقتاتون على جراح الأوطان كان لهم موقف مغاير؛ فقد وقع كثير من اللاجئين السودانيين في مصر ضحية لسماسرة العقارات والشقق، وبعضهم وقع ضحية لسماسرة تجارة الأعضاء. ومن عمل من الشباب السوداني في وظائف ببعض المصانع، فقد عمل بأجور بخسة، ولساعات طويلة، وبدون أي حماية مهنية.

وكما احتضن شعب مصر العائلة المقدسة في رحلة هروب السيدة مريم العذراء بوليدها عيسى ابن مريم من بطش الرومان قبل قدوم الإسلام، فقد رحبت الأغلبية الصامتة من الشعب المصري بأهلنا اللاجئين السودانيين بما يتوافق مع قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9).

لكن مصر الرسمية تجاهلت حتى أبسط مقتضيات أمنها القومي، وتركت السودان الحبيب فريسة يُنهش لحمه على مرأى ومسمع من كل المؤسسات الرسمية، وسط عجز مدهش وغير مفهوم عن وضع نهاية لهذه الحرب، فضلاً عن أنه كان من الواجب منع اندلاعها من الأساس. وحتى اتفاقيات الحريات الأربعة الموقعة بين البلدين سنة 2004، التي تكفل حرية العمل والتنقل والإقامة والتملك، قمنا بإلغائها أو -في أحسن الأحوال- تجميدها من طرف واحد. وبدلاً من أن نفعل هذه الاتفاقيات في مثل هذه الظروف، تعاملنا مع اللاجئين السودانيين الملهوفين الذين هربوا من الحرب والقتل والاغتصاب بلغة الرفض ومنطق التجارة.

أما عن تجار الأزمات، فقد ضاعف لهم السماسرة إيجارات المساكن لمستويات لا تطاق، دفعت أكثر من أسرة سودانية للاشتراك في المسكن نفسه. وبعد أن استنفد من كان منهم ينفق من مدخراته مدخراتهم، ضقنا بهم ذرعاً، ورأينا وسمعنا وشهدنا حالات مؤسفة من الاستغلال المقيت. ورفضت مصر الرسمية استقبال أطفال الفقراء من اللاجئين في مدارسنا الحكومية، حتى ولو بمقابل رسوم مدعمة، كما كان معمولاً به قديمًا للطلاب السودانيين الذين كانوا يدرسون مجانًا ويعاملون معاملة الأطفال المصريين؛ فدفعنا بهم لتأسيس مدارس خاصة بهم، ثم ضيقنا عليهم في تراخيص المدارس التي نظمها اللاجئون السودانيون، فحرمنا قسماً لا يُستهان به من أطفال اللاجئين السودانيين غير القادرين عن التعليم لسنوات ضاعت من أعمارهم.

هذا هو الخذلان؛ أما الجميل الذي لم نرده حتى الآن للسودان الحبيب فهو جميل لا يُقدّر بمال الأرض كلها؛ لأنه ببساطة فإن السودان الحبيب على مدار التاريخ لم يمنع أبداً النيل من أن يصل إلى مصر، والنيل هو الماء، والماء هو الحياة. فقد عاش المصريون آلاف السنين وهم آمنون بأن الجار الحبيب لن يغلق عليهم صنبور الماء، كما فعلت إثيوبيا بمعونة وأموال بعض الأشقاء، مع الأسف.

والجميل الآخر الذي لم نرده للسودان الحبيب، يوم حدث ما حدث في مصر صباح الخامس من يونيو، وصحت مصر لتجد نفسها وقد فقدت قواتها الجوية وجيشها في عدوان سنة 1967م، وكان الطريق إلى القاهرة مفتوحاً أمام الجيش الإسرائيلي؛ فأرسل السودان الحبيب قواته الخاصة على عجل لتأمين مداخل القاهرة على طريق السويس، وشاركت هذه القوات في معركة "رأس العش" دفاعاً عن بورفؤاد. وفي قمة الخرطوم التي أعقبت النكسة، خرجت الجماهير السودانية لتحمل سيارة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر حباً في مصر ومساندةً لها، في مشهد تاريخي أذهل العالم؛ حتى خرجت مجلة "تايم" وعلى غلافها الصورة التي لا نزال لا نجد لها تفسيراً إلا أن السودان الحبيب هو صمام الأمان لمصر في كل الأزمات. وقد صمدت القوات السودانية على الجبهة جنباً إلى جنب مع الجيش المصري حتى حرب التحرير في أكتوبر سنة 1973م.

وفي المحصلة النهائية، ومع التمييز بين موقف مصر الرسمية -المتمثل في عجز غير مفهوم ولا مبرر- وبين موقف مصر الشعبية وأغلبيتها الصامتة التي احتضنت اللاجئين السودانيين كما احتضنت قبلهم اللاجئين السوريين، فإن النتائج لا تعطي لنا إلا محصلة واحدة على أرض الواقع؛ فمع الأسف، فإن الشعب السوداني في مجمله يشعر بالخذلان من هذا العجز والصمت المريب الذي يلوذ به كل الأشقاء، وهم يرون دماء الشعب السوداني المسالم الطيب تُهدر في كل أنحاء السودان بلا حساب، خاصة وأن بعض الأشقاء يشاركون الآن في سكب الزيت على نار الحرب المستعرة في السودان. فضلاً عن أن مصر الرسمية لم يكن يليق بها هذا العجز عن وقف ما يجري في السودان، ثم يخرج أحد أطراف مؤامرة الحرب -المتمثل في قائد الميليشيا المارقة- ليقول إنه قادر على الاستمرار في الحرب حتى عام 2040، ولا يعلم أحد من أين يأتي هذا الطرف بالمال والسلاح ليستمر في حرب إجرامية مجنونة ضد الشعب السوداني الحبيب لنحو عشرين عاماً قادمة، بينما لا تستطيع دول الاستمرار في الحرب لأسابيع!

إن الدماء التي تسيل في السودان هي دماء في رقابنا جميعاً، وإن اللاجئين الذين يعودون إلى السودان مخذولين سوف تحمل قلوبهم وألسنتهم شهادات عن الخذلان الذي تعرضوا له. فهل نملك الشجاعة لنعترف بأن مصر الرسمية في موقفها مما يجري في السودان الآن لم تكن على قدر المسؤولية التاريخية، ولم تكن على مستوى المسؤولية القومية، ولم تدافع حتى عن أمنها القومي الذي يُنتهك على مرمى حجر من حدودنا الجنوبية؟ لقد تركنا السودان الحبيب وحيداً على مذبح بعض المتآمرين ممن يتكلمون بلساننا. وعندما استغاث بنا أهلنا في السودان فتح المصريون لهم القلوب قبل البيوت، ولكن في المحصلة النهائية على المستوى الرسمي فقد خذلناهم خذلاناً سوف ندفع ثمنه جميعاً، عاجلاً أو آجلاً.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً