ads
ads

داليا عماد تكتب: أين يلتقي مقترح حسن هيكل مع تجربة ماسبيرو؟.. وهل تتجاوز قيمة ديون الدول ثمن السيادة؟

داليا عماد
داليا عماد

طرح حسن هيكل، مستشار رئيس الوزراء، اليوم رؤية أثارت جدلًا واسعًا بشأن التعامل مع أزمة الديون المصرية، داعيًا إلى ما وصفه بـ«المقايضة الكبرى»، عبر مبادلة جانب من مديونيات الدولة بأصول مصرية، من بينها قناة السويس وأراضٍ مملوكة للدولة. طرحٌ يعيد إلى الواجهة فكرة تسوية الديون بالأصول، لكنه هذه المرة يتجاوز الحسابات الاقتصادية إلى أسئلة تتعلق بالسيادة والأمن القومي. فهل يمكن وضع قناة السويس وأصول الدولة الاستراتيجية على طاولة الدائنين باعتبارها مجرد أرقام في ميزانية؟ وهل تشبه هذه المقايضة بالفعل ما حدث سابقًا عند تسوية مديونية ماسبيرو؟ أم أن الفارق بين الحالتين أكبر وأخطر من مجرد كلمة ' مقايضة'.

قد تبدو المقارنة للوهلة الأولى سهلة ، ماسبيرو كانت عليه ديون، وتمت تسوية جانب منها بالأصول، فلماذا لا تكرر الدولة الأمر نفسه مع مديونياتها؟

لكن هذه المقارنة، في تقديري، تتجاهل فارقًا جوهريًا يجعل وضع التجربتين في كفة واحدة أمرًا شديد الخطورة.

تسوية ماسبيرو جرت داخل الدولة المصرية؛ مديونية مستحقة لجهة عامة، وأصول مملوكة لجهة عامة أخرى، ثم تدخلت الخزانة العامة لاستكمال التسوية. بمعنى آخر، تغيرت ملكية الأصول داخل الإطار المؤسسي للدولة، ولم تتحول أصول سيادية مصرية إلى ضمانات أو ملكيات لدول أو جهات أجنبية.

أما الحديث عن مقايضة مديونيات الدولة بأصول مثل قناة السويس وأراضي الدولة، كما جاء في طرح حسن هيكل، فينقل القضية إلى مستوى مختلف تمامًا؛ لأننا لم نعد نتحدث عن تسوية حسابات بين مؤسسات مصرية، وإنما عن أصول ترتبط بالسيادة والأمن القومي ومصالح أجيال قادمة.

قناة السويس ليست أصلًا عقاريًا في دفتر حسابات

قناة السويس لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد أصل مالي يمكن وضع رقم أمامه في ميزانية.

القناة ممر ملاحي دولي، ومصدر للعملة الأجنبية، وأحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تمتلكها مصر، كما أنها جزء من تاريخ طويل دفع المصريون أثمانًا سياسية واقتصادية وبشرية من أجل استعادة السيطرة الوطنية عليه.

ومن هنا يصبح السؤال: هل يجوز أصلًا أن تدخل أصول بهذه الطبيعة في معادلة تسوية الديون؟

الديون لها آجال، ويمكن إعادة هيكلتها والتفاوض بشأن فوائدها ومدد سدادها، أما السيادة على الأصول الاستراتيجية فليست رقمًا في جدول يمكن استعادته بالسهولة نفسها إذا تغيرت الظروف.

وماذا عن أراضي الدولة؟

الأمر يصبح أكثر حساسية عندما يمتد الطرح إلى «أراضي الدولة» بصيغة عامة.

فليست كل أراضي الدولة متساوية في أهميتها. هناك أراضٍ استثمارية يمكن للدولة طرح حق الانتفاع بها وفق ضوابط واضحة، لكن هناك أيضًا مواقع وأراضٍ ذات أهمية استراتيجية أو حدودية أو مرتبطة بمقتضيات الأمن القومي.

ولذلك فإن الحديث عن الأراضي دون تحديد طبيعتها ومواقعها وشروط التعامل عليها يفتح أسئلة تتجاوز الاقتصاد إلى الأمن القومي والسيادة على الأرض.

والفارق كبير بين استثمار أجنبي يأتي إلى مصر ليقيم مصنعًا أو مشروعًا ويوفر فرص عمل وعملة صعبة، وبين استخدام أصل سيادي أو أرض ذات أهمية استراتيجية كضمان أو مقابل لدين خارجي.

ماذا لو تعثرت الدولة مستقبلًا؟

وهنا يأتي السؤال الأخطر في أي تصور يقوم على رهن أصل استراتيجي أو إدخاله ضمن ترتيبات مرتبطة بالديون!

ماذا يحدث إذا واجهت مصر، بعد سنوات أو عقود، أزمة جديدة ولم تستطع الوفاء بالالتزامات المرتبطة بهذا الأصل؟

ما الضمانات التي تمنع انتقال حقوق أوسع إلى الدائن؟ وما حدود حقه في الإدارة أو الانتفاع أو السيطرة الاقتصادية؟ وما مدة هذه الحقوق؟ وهل يمكن استردادها؟ وبأي تكلفة؟

هذه ليست أسئلة هامشية ، بل يجب أن تسبق أي نقاش من هذا النوع، لأن الخطأ في إدارة قرض يمكن تصحيحه، أما الخطأ في التعامل مع أصل سيادي فقد تمتد آثاره لأجيال.

لا نستدعي «الاستعمار» من بوابة الديون.

التاريخ الاقتصادي يعرف تجارب ارتبط فيها الإفراط في المديونية والامتيازات الأجنبية بتآكل قدرة الدول على اتخاذ قرارها المستقل.

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول أزمة مالية مؤقتة إلى ترتيبات طويلة الأجل تمنح جهات أو دولًا أجنبية نفوذًا استثنائيًا على أصول استراتيجية.

وهنا لا أتحدث عن «احتلال» عسكري بالمعنى التقليدي، ولا أزعم أن هذا سيكون حتميًا نتيجة طرح حسن هيكل، لكنني أتحدث عن الخطر الذي ينبغي أن يظل حاضرًا أمام صانع القرار: السيادة الاقتصادية يمكن أن تتآكل دون إطلاق رصاصة واحدة إذا أصبحت الأصول التي تقوم عليها الدولة رهينة لالتزامات لا تستطيع الوفاء بها.

وسواء كان المستثمر أو الدائن أمريكيًا أو أوروبيًا أو آسيويًا أو «خليجيًا»، فلا ينبغي أن تتغير القاعدة ، فالأصل السيادي المصري ليس ثمنًا لسداد أزمة مالية.

حسن هيكل وموقع المسؤولية

وتزداد حساسية الطرح عندما يصدر عن شخصية تشغل موقعًا استشاريًا أو سياسيًا قريبًا من دوائر صنع القرار.

فالمسؤولية هنا لا تتعلق فقط بالبحث عن أفكار غير تقليدية للخروج من أزمة الديون، وهو أمر مطلوب، وإنما أيضًا بحساب الأبعاد السياسية والاستراتيجية لأي فكرة قبل طرحها للرأي العام.

ولا يصح، في رأيي، اتخاذ تجربة ماسبيرو نموذجًا مباشرًا لتبرير مقايضة ديون الدولة الخارجية بأصول سيادية ، فالاثنان ليسا شيئًا واحدًا.

في ماسبيرو، نحن أمام تسوية داخل البيت المصري:، جهة حكومية مدينة، وجهة عامة دائنة، وأصول غير مستغلة انتقلت في إطار تسوية داخل الدولة، مع تدخل الخزانة العامة لإغلاق الملف.

أما في حالة الديون الخارجية، فنحن نتحدث عن الدولة المصرية في مواجهة دائنين من خارجها، وعن احتمال إدخال أصول ذات طبيعة سيادية أو استراتيجية في المعادلة.

وهذا فارق لا يمكن اختزاله في كلمة واحدة اسمها «مقايضة».

الحل ليس بيع المشكلة.. وإنما علاجها

نعم، مصر تحتاج إلى أفكار اقتصادية جريئة، وتحتاج إلى تخفيض أعباء الدين وتكلفة خدمته، وجذب العملة الصعبة، لكن السؤال الأهم يظل كيف نسدد الديون دون أن نفقد الأصول التي يفترض أن تنتج لنا الأموال التي نسدد بها تلك الديون؟

والطريق الأصعب، لكنه الأكثر استدامة، يبدأ من العمل والإنتاج والتصدير.

نحتاج إلى اقتصاد ينتج أكثر مما يستهلك، ويصدر أكثر، ويجذب العملة الأجنبية من نشاط اقتصادي حقيقي، وليس فقط من التخارج المستمر من الأصول.

ونحتاج كذلك إلى فتح الطريق أمام أصحاب الأعمال والمصانع، وتخفيف الأعباء الضريبية والتأمينية التي تعرقل التوسع والتوظيف، وتصحيح العوار المستدام فى قوانين العمل ، والتى تجعل صاحب المال والمستثمر معاً عازفين عن الانخراط فى الصناعة ، ودعم الشركات القادرة على زيادة الإنتاج والصادرات، وتسهيل إنشاء المشروعات وتشغيلها بدلًا من تحميلها المزيد من الأعباء.

فكل مصنع جديد يعني إنتاجًا وفرص عمل، وكل سلعة مصرية تصل إلى الخارج تعني عملة صعبة، وكل شركة تتوسع وتوظف مزيدًا من المصريين تضيف إلى الاقتصاد بدلًا من أن تخصم من أصوله.

مصر لن تخرج من أزمة ديونها بأن تبيع عناصر قوتها لتسدد فاتورة الماضي، وإنما بأن تستخدم عناصر قوتها لبناء إيرادات المستقبل.

وهنا تحديدًا يكمن الفارق بين مقايضة ماسبيرو و«المقايضة الكبرى» المطروحة اليوم ، فالأولى كانت تسوية مالية داخل مؤسسات الدولة، أما الثانية، إذا امتدت بالفعل إلى أصول سيادية مثل قناة السويس أو أراضٍ استراتيجية، فإنها تستحق نقاشًا يتجاوز دفاتر الحسابات إلى سؤال أكبر بكثير.

كم تبلغ قيمة الدين؟ سؤال اقتصادي…….أما كم تبلغ قيمة السيادة؟ فهذا سؤال لا ينبغي أن تكون إجابته رقمًا!!!!

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً