في لحظة مفصلية من تاريخ فنزويلا السياسي، تتجه الأنظار إلى ما بعد نيكولاس مادورو، بينما يستعد الرئيس الفنزويلي المعزول للمثول أمام القضاء الأمريكي، وسط حالة غير مسبوقة من الغموض حول من يمسك فعلياً بزمام السلطة في الدولة الغنية بالنفط. فاعتقال مادورو لم يفتح فقط باب المحاسبة، بل فجّر صراع نفوذ داخلياً وخارجياً، لتبرز أسماء مدنية وعسكرية داخل فنزويلا، إلى جانب شخصيات مؤثرة في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بوصفها لاعبين محتملين في رسم مستقبل البلاد، فمن هي الشخصيات المرشحة لإدارة فنزويلا؟ وكيف يُعاد تشكيل مراكز القوة في ظل تدخل أمريكي غير مسبوق؟
بينما يترقب الجميع مثول الرئيس الفنزويلي المعزول، نيكولاس مادورو، للمحاكمة أمام محكمة أمريكية، تبرز شخصيات رئيسية بوصفها الفاعلين الرئيسيين في إدارة شؤون الحكم بالدولة اللاتينية، سواء في فنزويلا، وفي مقدمتهم نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، أو في الولايات المتحدة.
وأثار اعتقال الولايات المتحدة لمادورو، في عملية وصفها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بالمذهلة والفعالة، حالة من الضبابية بشأن من يدير الدولة الغنية بالنفط، وأدى إطاحة الولايات المتحدة بالرئيس مادورو إلى إرباك قيادة فنزويلا، ما منح الولايات المتحدة دوراً جديداً قوياً، ونصّبها زعيماً فعلياً، وألقى بظلال من الشك على الدور الذي قد تلعبه زعيمة المعارضة والحائزة على جائزة نوبل في البلاد، ماريا كورينا ماتشادو، وفق تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.
يأتي ذلك بينما تردد اسم شخصيات في إدارة ترامب للإشراف على ملف إدارة البلاد في فنزويلا، وفي مقدمتهم وزير الخارجية ماركو روبيو، وستيفن ميلر، نائب رئيس موظفي البيت الأبيض للشؤون السياسية ومستشار الأمن الداخلي، الذي أشارت تقارير إلى أن البيت الأبيض يدرس منحه دوراً أكبر في الإشراف على العمليات في فنزويلا بعد مادورو.
من هي الشخصيات المرشحة لإدارة فنزويلا؟
خورخي رودريغيز رئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية
رودريغيز، الزعيمة الفعلية لفنزويلا الآن، هي اشتراكية ارتقت في المناصب، حيث عملت أولاً مع الرئيس الاشتراكي هوغو تشافيز، ثم مع مادورو، وتُعرف رودريغيز بأنها منظّرة اشتراكية، لكنها تُعتبر في الولايات المتحدة وعلى الصعيد الإقليمي سياسية براغماتية.
وصرح الرئيس ترامب يوم السبت بأنها 'مستعدة تماماً لفعل ما نراه ضرورياً لجعل فنزويلا عظيمة مرة أخرى'. فيما دعت نائبة الرئيس إلى إطلاق سراح مادورو.
وصف مادورو نائبته رودريغيز بأنها 'نمر' لدفاعها المستميت عن حكومته الاشتراكية، تعمل رودريجيز عن كثب مع شقيقها خورخي الذي يشغل منصب رئيس الجمعية الوطنية، وهي الهيئة التشريعية في فنزويلا.
وُلدت رودريغيز، البالغة من العمر 56 عاماً، في كراكاس في 18 مايو 1969، وهي ابنة المناضل اليساري خورخي أنطونيو رودريغيز، الذي أسس حزب 'ليجا سوسياليستا' الثوري في السبعينيات.
جعل تولي رودريغيز منصبي وزارة المالية والنفط، اللذين شغلتهما بالتزامن مع منصبها نائبةً للرئيس، شخصيةً رئيسية في إدارة الاقتصاد الفنزويلي، وأكسبها نفوذاً كبيراً لدى القطاع الخاص الذي يعاني في البلاد. وطبّقت سياسات اقتصادية تقليدية في محاولة لمكافحة التضخم الكبير.
رودريغيز محامية تخرجت من الجامعة المركزية في فنزويلا، وتدرجت بسرعة في المناصب السياسية في العقد الماضي، وشغلت منصب وزيرة الاتصالات والإعلام بين عامي 2013 و2014.
شغلت رودريغيز، المعروفة بعشقها للأزياء الأنيقة، منصب وزيرة الخارجية بين عامي 2014 و2017، وخلال تلك الفترة حاولت اقتحام اجتماع تكتل ميركوسور التجاري في العاصمة الأرجنتينية بوينس أيرس بعد تعليق عضوية فنزويلا في المجموعة، بدأت العمل رئيسةً للجمعية التأسيسية الموالية للحكومة، التي وسعت سلطات مادورو، في 2017.
شكّل هو وشقيقته ديلسي ثنائياً سياسياً قوياً ساهم في صعود نخبة اقتصادية في النظام الاشتراكي الذي أسسه تشافيز، وعمل رودريجيز نائباً للرئيس تشافيز، وكان كبير مفاوضي مادورو مع الولايات المتحدة أثناء قيادته للكونجرس الفنزويلي.
ولأكثر من عقد، تركزت السلطة الحقيقية في فنزويلا بيد دائرة صغيرة من كبار المسؤولين، ويقول محللون ومسؤولون لوكالة رويترز إن النظام يعتمد على شبكة مترامية الأطراف من الموالين والأجهزة الأمنية، يغذيها الفساد والترصد.
وداخل هذه الدائرة الداخلية، يسود توازن بين المدنيين والعسكريين. ولكل عضو مصالحه وشبكات العلاقات الخاصة به. ويمثل رودريغيز وشقيقته حالياً الجانب المدني، ويمثل وزير الدفاع، فلاديمير بادرينو، ووزير الداخلية، ديوسدادو كابيلو، الجانب العسكري.
فلاديمير بادرينو لوبيز وزير الدفاع الفنزويلي
تولى الجنرال بادرينو، الحائز على أربع نجوم، والذي قاد الجيش منذ عام 2014، قيادة الجيش لصالح مادورو على مدى العقد الماضي، وسط عدة محاولات من جانب المعارضة لإثارة انقلاب.
وفي عهد مادورو، لم تستمد قوة بادرينو من موقعه على قمة الجيش فحسب، بل استمدتها أيضاً من سيطرته على الموانئ والبرامج الاجتماعية، وبالنسبة لخطة ترامب لإدارة فنزويلا مع مراعاة مصالح الولايات المتحدة، قالت صحيفة وول ستريت جورنال إنه سيكون من المهم إشراك بادرينو والقيادة العسكرية.
ديوسدادو كابيلو وزير الداخلية الفنزويلي
كان كابيلو الذراع اليمنى لمادورو، حيث قاد قوات الأمن الحكومية ووحدات موالية للنظام تُعرف باسم 'الكوليكتيفوس'، التي قمعت الاحتجاجات الشعبية بأساليب دموية. ويُنظر إليه على أنه الأكثر تشدداً بين قادة النظام المتبقين.
وبعد الإطاحة بمادورو، ظهر كابيلو مرتدياً سترة واقية من الرصاص على شاشة التلفزيون الرسمي محاطاً بقوات أمنية مسلحة. وقال: 'لقد تعلمنا كيف ننجو'، داعياً ضباط الجيش والشرطة إلى الحفاظ على النظام.
وبحسب وكالة رويترز، هناك الكثير من علامات الاستفهام التي تحيط بكابيلو، الذي له نفوذ قوي على جيش البلاد وأجهزة المخابرات التي تقوم بعمليات تجسس واسعة النطاق في الداخل.
وقال خوسيه جارسيا، المحلل العسكري الاستراتيجي في فنزويلا، لرويترز: 'التركيز الآن ينصب على ديوسدادو كابيلو لأنه الأكثر تمسكاً بالإيديولوجية والعنصر الأكثر عنفاً في نظام فنزويلا، كما أن تصرفاته عصية على التنبؤ'.
ويتمتع كابيلو، وهو ضابط سابق في الجيش وشخصية أساسية في الحزب الاشتراكي، بنفوذ واسع على قطاعات من القوات المسلحة، رغم أن جيش البلاد يديره وزير الدفاع بادرينو منذ أكثر من عقد.
وقال محامٍ مثّل من قبل شخصيات بارزة في قيادة فنزويلا إن نحو 10 من المسؤولين السابقين وجنرالات في الخدمة حالياً تواصلوا مع واشنطن بعد اعتقال مادورو، على أمل التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، بعرض تقديم معلومات مخابرات مقابل العبور الآمن والحصانة القانونية. لكنه أضاف أن المقربين من كابيلو قالوا إنه ليس مهتماً حالياً بعقد صفقة.
يُعتبر عضو مجلس الشيوخ السابق عن ولاية فلوريدا مهندس سياسات ترامب في فنزويلا، حيث دعا على مدى أكثر من عقد في مجلس الشيوخ إلى تغيير النظام.
وقال روبيو، في معرض حديثه عن الإطاحة العنيفة بمادورو، إن الولايات المتحدة تملك القدرة على ضمان قيام قادة فنزويلا ما تريده، وأضاف في برنامج 'واجه الأمة' على قناة سي بي إس نيوز: 'إذا لم يتخذوا القرارات الصائبة، فستحتفظ الولايات المتحدة بأدوات ضغط متعددة لضمان حماية مصالحنا'.
وعلى مدى أكثر من عقد في مجلس الشيوخ، سعى روبيو إلى الإطاحة بالزعيم الفنزويلي مادورو، وكان روبيو المسؤول الأول الذي أشرف على حملةُ إدارة ترامب تجاه فنزويلا، وهي الحملة التي بدأت بوصفها عملية لمكافحة المخدرات، لكنها توسّعت لتشمل جهوداً واسعة لاستخدام العقوبات والتهديد بالقوة العسكرية للضغط على مادورو، وصولاً إلى شن عملية عسكرية أدت إلى اعتقاله.
وفي الأشهر الأخيرة، ناقش روبيو، وهو نجل مهاجرين كوبيين، مع مسؤولين كبار آخرين في الإدارة الأمريكية، اتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه نظام مادورو، وفقاً لما نقلته وول ستريت جورنال عن مصادر مطلعة.
وقال العديد من المسؤولين الأمريكيين لصحيفة واشنطن بوست إن مهام روبيو الواسعة كوزير للخارجية ومستشار للأمن القومي تعني أنه من غير المرجح أن يكون لديه الوقت الكافي لتوجيه السياسة اليومية في فنزويلا.
مايك ويرث الرئيس التنفيذي لشركة شيفرون
يتبوأ رئيس أكبر كيان استثماري أمريكي في فنزويلا موقعاً متميزاً للاستفادة من النفوذ الأمريكي المتزايد في البلاد، حيث تعمل الشركة منذ أكثر من قرن.
وستلعب شيفرون الآن دوراً محورياً في مساعي ترامب لزيادة إنتاج النفط الفنزويلي، وقال ويرث في نوفمبر، خلال قمة الاستثمار الأمريكية السعودية في واشنطن: 'نحن نعتمد استراتيجية طويلة الأمد، نحن ملتزمون تجاه شعب فنزويلا، ونرغب في المساهمة في إعادة بناء اقتصادها عندما تتغير الظروف'.
وبينما يروج ترامب لفكرة أن النفط الفنزويلي (أكبر احتياطي مؤكد في العالم) هو غنيمة سهلة يمكن أن تسدد ديون المغامرة الأمريكية وتخفض أسعار الوقود، فإن الحقائق الفنية والاقتصادية ترسم صورة مأساوية لشركة النفط الوطنية (PDVSA)، وبالتالي ستحتاج الشركات الأمريكية إلى دفع الكثير قبل المباشرة في عملية الاستفادة من النفط الفنزويلي، لأسباب عديدة تذكرها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية ومعهد Baker Institute للسياسات الدولية:
معضلة النفط الثقيل: نفط فنزويلا (خاصة في حزام أورينوكو) ثقيل جداً ويحتاج إلى مواد مخففة (Diluents) لمعالجته ونقله.
بنية تحتية متهالكة: بعد سنوات العقوبات القاسية، تحولت مصافي وأنابيب النفط الفنزويلية إلى 'خردة تقنية'. ويقدّر الخبراء أن إعادة الإنتاج إلى مستويات ما قبل 2015 (نحو 3 ملايين برميل يومياً) تتطلب استثمارات تتراوح بين 50 و100 مليار دولار، وفترة زمنية لا تقل عن 5 إلى 7 سنوات.
النفط 'المرهون': جزء كبير من صادرات النفط الفنزويلي المستقبلية مرهون فعلياً للصين وروسيا سداداً لديون بمليارات الدولارات.
ماريا كورينا ماتشادو زعيمة المعارضة الفنزويلية
صدمت الحائزة على جائزة نوبل للسلام العالم بهروبها الجريء من مخبئها في فنزويلا لتسلّم جائزتها في أوسلو.
ولكن بدلاً من عودتها منتصرةً إلى وطنها لخوض الانتخابات، باتت حركتها في حالة من الترقب والانتظار. ووصفها ترامب بأنها 'امرأة لطيفة للغاية'، لكنها تفتقر إلى الدعم اللازم لقيادة بلادها،والتزمت المعارضة الصمت، منتظرةً كيف ستتعامل إدارة ترامب مع فلول النظام في الأسابيع المقبلة.