ads
ads

الاقتصاد مقابل الأمن.. "من واشنطن إلى بكين" أوروبا تختار شريكها الجديد

الصين
الصين

بعد شعور الأوروبيين بتراجع دعم الولايات المتحدة لهم، بدأ كبار قادة القارة مثل المستشار الألماني فريدريش ميرز ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون زياراتهم للصين لضمان مصالحهم التجارية والأمنية، هذا التوجه نحو استرضاء بكين يثير مخاوف من أن القادة الأوروبيين يركزون على إرضاء الصين دون الاهتمام بما هو أكثر أهمية في استراتيجياتهم الوطنية.

تركز أوروبا الآن على تهديدات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مثل مطالبه بضم غرينلاند وفرض الرسوم الجمركية، بينما لا تلتفت بشكل كافٍ إلى طموحات الصين في القطب الشمالي ومبادراتها 'طريق الحرير القطبي' و'الرقمي'، فضلاً عن انتشارها العسكري والبنية التحتية في المنطقة. هذا يشير إلى ضعف الرؤية الاستراتيجية الأوروبية مقابل الطموحات الصينية والروسية.

بالرغم من أساليب ترامب الحادة، إلا أن نواياه كانت حماية أوروبا والنظام العالمي عبر تعزيز الدفاعات وتحفيز الإنفاق العسكري الأوروبي. لذلك، يخلص التحليل إلى أن سياسة استرضاء بكين وموسكو لن تنفع، وأن الأوروبيين يجب أن يركزوا على الواقع الاستراتيجي الأمريكي ويستفيدوا من القوة الأمريكية لحماية مصالحهم وأمن القارة.

بناء السفارة الصينية الضخمة في لندن وأبعادها الأمنية

أقرت حكومة بريطانيا مؤخرًا بناء سفارة صينية ضخمة في وسط لندن، رغم الانتقادات الحادة من النواب عبر الطيف السياسي، الذين حذروا من أن المبنى قد يتحول إلى قاعدة للتجسس وترهيب المعارضين الصينيين، وقع وزير الحكومة المحلية، ستيف ريد، رسميًا على خطط المبنى بالقرب من برج لندن، بعد سنوات من التأجيلات والتحديات القانونية. أبدى النقاد مخاوفهم منذ فترة طويلة من أن السفارة، التي ستصبح الأكبر في أوروبا، ستزيد من مخاطر جمع المعلومات الاستخباراتية الصينية وتعزيز مراقبة وترهيب المعارضين في الخارج، ورغم استحالة إزالة كل المخاطر، أكد رؤساء وكالتين استخباراتيتين بريطانيّتين وجود “تدابير أمنية مناسبة” للتعامل مع التهديدات المحتملة.

تعرضت خطط السفارة لاعتراضات واحتجاجات منذ عام 2018، حين اشترت الصين الموقع في Royal Mint Court مقابل 225 مليون جنيه إسترليني (حوالي 300 مليون دولار)، وأشار المعارضون إلى قرب الموقع الضخم من كابلات الألياف البصرية التي تنقل معلومات مالية حساسة بين منطقتي لندن الماليتين الرئيسيتين، مع وجود 208 غرف سرية في القبو قرب هذه الكابلات، شارك المعارضون الصينيون والمواطنون البريطانيون في الاحتجاجات، مؤكدين أن المشروع قد يزيد من قمع الصين للناشطين في الخارج، بينما شدد وزير الأمن دان جارفيز على أن الأمن القومي لا يمكن المساومة عليه.

البعد الدبلوماسي والاقتصادي للزيارة البريطانية إلى الصين

تأتي الموافقة على السفارة الضخمة في إطار التحضيرات لزيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر المرتقبة إلى الصين، حيث سيقود وفدًا يضم حوالي 60 شخصًا، بما في ذلك وزيرة الخزانة راشيل ريفز ووزير الدولة للتجارة بيتر كايل، وممثلين عن شركات كبرى مثل AstraZeneca وHSBC وRolls-Royce. تهدف هذه الزيارة إلى تعزيز التجارة وبناء علاقات ودية، وهو ما يعكس حرص لندن على توسيع النفوذ الاقتصادي الأوروبي في آسيا.

وفي نفس السياق، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أهمية إعادة التوازن في الاستثمارات الصينية داخل أوروبا، مع التركيز على القطاعات التي تسهم في النمو ونقل التكنولوجيا، بدل الاكتفاء بالتصدير إلى القارة. ودعا ماكرون إلى بناء “سيادة اقتصادية أوروبية” قائمة على أدوات الدفاع التجاري الفعّالة، مع استخدام آليات لمكافحة الإكراه وتحفيز الاستثمارات عالية القيمة، بما يحمي القاعدة الصناعية الأوروبية ويحقق تكافؤ الفرص بين الشركاء التجاريين.

أوروبا بين التعاون مع الصين والاعتماد على الولايات المتحدة

التحركات الأوروبية تجاه الصين تأتي في سياق شعور القارة بانخفاض دعم الولايات المتحدة المفاجئ، كما يوضح مارك ليونارد من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، يرى القادة الأوروبيون أن الولايات المتحدة لم تعد الضامن الأمثل لأمنهم، لا سيما بعد تهديدات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بضم غرينلاند وفرض رسوم جمركية على دول أوروبية. وهذا دفع بعض الدول، مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، إلى التركيز على تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية مع بكين، مع مراعاة تحقيق مصالح أوروبية محددة في التجارة والاستثمار.

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن سياسة الاسترضاء قد تكون قصيرة النظر، إذ يظل من المهم للأوروبيين فهم النوايا الأمريكية الحقيقية، التي تركز على الاستقرار الأمني والاستراتيجي للمنطقة عبر تحالفاتهم، مع الحفاظ على قدرة الردع العسكري للولايات المتحدة. التحركات الأوروبية تعكس توازنًا دقيقًا بين الحفاظ على السيادة الاقتصادية وتوسيع التعاون مع الصين، وبين الاعتماد الاستراتيجي على الضمانات الأمنية الأمريكية في مواجهة التحديات الإقليمية.

تحركات الولايات المتحدة تجاه إيران والدور العسكري

في الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة تحركاتها العسكرية في الشرق الأوسط، حيث نشر حاملات الطائرات بالقرب من إيران والذي يمثل رسالة ردع وتحذير لطهران من أي تصعيد محتمل، هذه التحركات لا تهدف بالضرورة إلى شن حرب، لكنها تظهر قدرة واشنطن على الرد السريع على أي تهديد، سواء على القوات الأمريكية أو على مصالح حلفائها في المنطقة، خاصة حماية الملاحة في مضيق هرمز.

حيث نقلت امريكا مجموعة حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” مع مدمرات وسفن حربية أخرى نحو الشرق الأوسط قرب إيران في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، الهدف المعلن من هذا التحرك هو زيادة الردع العسكري ومنع إيران من اتخاذ خطوات قد تُصعِّد الوضع، مثل استئناف برنامج نووي مثير للقلق أو قمع واسع للمتظاهرين، كما يشمل هذا الانتشار جمع المعلومات الاستخباراتية ومراقبة الأنشطة الإيرانية، مثل الصواريخ والطائرات بدون طيار والسفن العسكرية، بما يعزز الردع النفسي والسياسي لطهران.

يعني وصول حاملة طائرات أمريكية إلى مناطق قريبة من إيران عمليًا امتلاك واشنطن قدرة هجومية ودفاعية عالية في وقت واحد، إذ ترافق الحاملة أسراب من الطائرات المقاتلة المتطورة مثل F-18 وF-35، إلى جانب أنظمة دفاع صاروخي متقدمة، ما يتيح تنفيذ ضربات دقيقة أو فرض ردع فوري ضد أي تهديد محتمل، وفي البعد السياسي، يشكل هذا الانتشار ضغطًا نفسيًا واستراتيجيًا على صانعي القرار في طهران، ويمنح الولايات المتحدة موقعًا أقوى في أي مسار تفاوضي حتى دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، غير أن هذا التحرك يظل محفوفًا بمخاطر التصعيد، إذ تربط إيران أي هجوم عليها باحتمال اندلاع “حرب شاملة”، ما يجعل أي خطأ في الحسابات العسكرية سببًا محتملاً لتوسع الصراع إقليميًا.

تعكس هذه الخطوة استراتيجية أمريكية أوسع، ترتكز على إبراز القوة العسكرية الأمريكية لحماية النظام الإقليمي العالمي وضمان استقرار مناطق حيوية، بينما تتيح للدبلوماسية الأمريكية مساحة أكبر للتفاوض من موقع قوة. وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع مراقبة أوروبا لتطورات الشرق الأوسط، وهو ما يجعل العلاقة بين النفوذ الأمريكي والاستثمارات الأوروبية في الصين جزءًا من معادلة استراتيجية عالمية أوسع، تشمل الصراع على النفوذ بين القوى الكبرى وضرورة حماية المصالح الاقتصادية والأمنية في مناطق متباينة.

التوازن بين الدبلوماسية والردع

توضح هذه التحركات المتزامنة كيف أن أوروبا والصين والولايات المتحدة تتفاعلان في إطار عالمي معقد، حيث تسعى لندن وباريس وبرلين لتعزيز المصالح الاقتصادية عبر الصين، مع الحفاظ على الردع الأمريكي لضمان الأمن الإقليمي، في المقابل، تحافظ الولايات المتحدة على حضور عسكري قوي في مناطق حساسة مثل الخليج العربي لإظهار قدرتها على الردع واستقرار النظام العالمي، وفي النهاية، يعتمد تحقيق التوازن بين التعاون الاقتصادي والحفاظ على الأمن العسكري على قدرة الدول على التنسيق بين الاستراتيجيات الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية، بما يحمي مصالحها على المستويين الإقليمي والعالمي.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
الإعدام شنقا للمتهم بإنهاء حياة 3 صغار ووالدتهم في قضية اللبيني بفيصل