ads
ads

بروتوكول الأوقاف و«طابة» يثير الجدل.. لماذا تستعين مصر بمؤسسة إماراتية لتطوير خطابها الديني؟

وزير الأوقاف والحبيب علي الجفري
وزير الأوقاف والحبيب علي الجفري
كتب : أهل مصر

أثار توقيع وزارة الأوقاف المصرية بروتوكول تعاون مع مؤسسة «طابة» الإماراتية، التي يرأس مجلس أمنائها الداعية الحبيب علي الجفري، حالة من الجدل والتساؤلات على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة مع إعلان أن التعاون يستهدف تعزيز التأهيل الديني وتطوير الخطاب الإسلامي.

بروتوكول الأوقاف وطابة

الجدل لم ينطلق من رفض مبدأ التعاون بين المؤسسات الدينية المصرية ونظيراتها العربية، وإنما من طبيعة الملف نفسه، ومن العبارة التي اختارتها وزارة الأوقاف عنوانًا للبروتوكول «تطوير الخطاب الإسلامي».

فمصر ليست دولة تبحث عن مؤسسة دينية تؤسس لها خطابًا من نقطة الصفر، وإنما هي بلد الأزهر الشريف، صاحب التاريخ الممتد لأكثر من ألف عام، كما تضم وزارة للأوقاف، ودارًا للإفتاء، ومجمعًا للبحوث الإسلامية، وجامعة أزهرية، ومجلسًا أعلى للشئون الإسلامية، إلى جانب عشرات الكليات والمراكز البحثية المتخصصة.

ومن هنا ظهر السؤال الذي تكرر بين عدد من المثقفين والباحثين ومستخدمي مواقع التواصل ما الذي ستقدمه مؤسسة أُنشئت قبل نحو عقدين إلى مؤسسات مصرية تراكمت خبراتها العلمية والدعوية عبر قرون؟ وهل المقصود الاستفادة من خبرة فنية محددة، أم منح المؤسسة دورًا في صياغة الخطاب الديني المصري وتدريب القائمين عليه؟

ماذا قالت وزارة الأوقاف؟

بحسب البيان المنشور في الأول من أكتوبر 2026، شهد الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، والحبيب علي زين العابدين الجفري، رئيس مجلس أمناء مؤسسة طابة، توقيع بروتوكول يستهدف توسيع العمل المشترك وتبادل الخبرات في المجالات المعرفية والدينية والتدريبية، ودعم تطوير العمل الديني وتأهيل العاملين فيه.

ويشمل التعاون، وفق البيان، تبادل الخبرات والمعارف، والاستفادة من التجارب المتخصصة لدى الجانبين، وتنظيم المحاضرات والبرامج التدريبية، إلى جانب عقد المؤتمرات والندوات التي تتناول القضايا الشرعية والمجتمعية.

لكن البيان، رغم حديثه عن أهداف واسعة، لم يوضح عددًا من التفاصيل الأساسية، فلم ينشر نص البروتوكول كاملًا، ولم يحدد مدته أو البرامج التي سيتم تنفيذها، كما لم يعلن أسماء العلماء والمدربين المشاركين، أو المعايير التي سيجري على أساسها اختيارهم.

كذلك لم يوضح البيان ما إذا كان البروتوكول يرتب التزامات مالية على وزارة الأوقاف، أو الجهة التي ستتحمل تكلفة البرامج والمؤتمرات والتدريب، ولا آليات تقييم النتائج أو حدود الدور الذي ستؤديه مؤسسة طابة في ملف الخطاب الديني داخل مصر.

ما هي مؤسسة طابة؟

تعرف مؤسسة طابة نفسها بأنها مؤسسة غير ربحية تقدم الأبحاث والمبادرات والاستشارات، وتسعى إلى تقديم مقترحات وتوصيات لقادة الرأي، وإعداد مشروعات تخدم القيم الإسلامية وتبرز الصورة الحضارية للإسلام.

وتقول المؤسسة إن مهمتها هي «إعادة تأهيل الخطاب الإسلامي» ليستعيد قدرته على فهم الواقع وصياغة رؤى يستند إليها قادة الرأي والقرار، بينما تتمثل رؤيتها في إعداد الدراسات والكفاءات والمؤسسات اللازمة لتطوير خطاب إسلامي واضح وإيصاله إلى العالم.

وتشير المعلومات المنشورة عنها إلى أن الحبيب علي الجفري أسسها في أبوظبي عام 2005، أي أن عمرها المؤسسي يبلغ نحو 21 عامًا. كما يظهر اسم الجفري في الاتفاق باعتباره رئيس مجلس أمنائها.

وللمؤسسة مقر معلن في أبوظبي، إلى جانب مقر في منطقة المقطم بالقاهرة، ويظهر من أنشطتها المنشورة أنها تنظم لقاءات وندوات ومبادرات موجهة إلى الشباب، وتناقش قضايا دينية وفكرية واجتماعية معاصرة.

ولا يعني قِصر عمر المؤسسة مقارنة بالأزهر انتفاء خبرتها أو حقها في العمل البحثي، لكنه يجعل السؤال مشروعًا عن طبيعة القيمة العلمية التي ستضيفها إلى وزارة تمتلك بالفعل آلاف الأئمة والباحثين، ومؤسسات رسمية متخصصة في التدريب والتأهيل.

من يمول مؤسسة طابة؟

في حدود ما أمكن الوصول إليه من خلال الصفحات العامة المتاحة على الموقع الرسمي للمؤسسة، لا توجد قائمة واضحة ومحدثة بأسماء الجهات الممولة، ولا قوائم مالية منشورة توضح مصادر الإيرادات وحجم الإنفاق وتوزيعه.

المتاح على الموقع صفحة تدعو إلى دعم المؤسسة، وتوضح أن الدعم يمكن أن يكون ماديًا أو معنويًا، وأن الشركات والمؤسسات تستطيع تقديم الموارد والخبرات والمعرفة الفنية، كما تتيح تقديم مساهمات مالية. إلا أن الصفحة نفسها لا تحدد أسماء المانحين أو نسبة إسهام كل جهة.

وهنا يجب التفريق بوضوح بين أمرين، غياب معلومات التمويل عن الصفحات العامة التي أمكن مراجعتها لا يُعد دليلًا على وجود تمويل مشبوه، ولا يسمح باتهام المؤسسة أو أي جهة بتمويلها سرًا، لكنه يفتح بابًا مشروعًا للمطالبة بالشفافية، خصوصًا عندما تدخل مؤسسة غير مصرية في اتفاق يتعلق بتأهيل العاملين في المجال الديني وتطوير الخطاب الإسلامي داخل مصر.

المسألة إذن ليست إطلاق اتهام، وإنما طلب إجابة موثقة: ما مصادر تمويل المؤسسة؟ وهل ستشارك جهات مانحة في تمويل الأنشطة الناتجة عن البروتوكول؟ وهل تملك الوزارة ضمانات تمنع أي ممول من التأثير في محتوى البرامج أو اختيار القضايا والمتحدثين؟

أين الأزهر من البروتوكول؟

من أكثر النقاط التي أثارت التساؤلات غياب أي إشارة واضحة في البيان إلى دور الأزهر الشريف، رغم أن موضوع البروتوكول يقع في صميم اختصاصه العلمي والدعوي.

الأزهر ليس مجرد جهة تعليمية، بل يضم هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية وجامعة الأزهر وأكاديمية لتدريب الأئمة والوعاظ، فضلًا عن شبكة واسعة من العلماء والمبعوثين داخل مصر وخارجها، وتعرض بوابته الرسمية عددًا كبيرًا من القطاعات العلمية والدعوية، من بينها مجمع البحوث الإسلامية والجامع الأزهر ومرصد مكافحة التطرف ومركز الفتوى.

ومن الطبيعي أن تتعاون وزارة الأوقاف مع جهات عربية ودولية، لكن الإعلان عن تطوير الخطاب الديني المصري بالتعاون مع مؤسسة خارجية كان يحتاج إلى توضيح موقع الأزهر والمؤسسات الوطنية من البرنامج، وما إذا كانت ستشارك في وضع المحتوى العلمي ومراجعته واعتماده.

كما يحتاج الرأي العام إلى معرفة ما إذا كان البروتوكول يقتصر على تبادل الزيارات وتنظيم الندوات، أم يمنح مؤسسة طابة دورًا مباشرًا في تدريب أئمة الأوقاف أو إعداد المناهج والبرامج التي تقدم إليهم.

«تبادل خبرات» أم إعادة توزيع للمرجعية؟

قد ترى الوزارة أن الاتفاق مجرد تعاون فني وفكري، وأن مصر بما تمتلكه من مكانة دينية لا تتضرر من الاستفادة من تجارب مؤسسات أخرى، وهذه حجة يمكن تفهمها إذا كانت مجالات التعاون محددة ومعلنة وخاضعة للمرجعية العلمية المصرية، لكن استخدام عبارات فضفاضة مثل «تطوير الخطاب الإسلامي» و«تأهيل العاملين في المجال الديني» دون نشر التفاصيل جعل البروتوكول يبدو، لدى منتقديه، أكبر من مجرد تنظيم ندوات أو تبادل أبحاث.

فالخطاب الديني لا يُعامل كمشروع تدريبي عادي، بل يرتبط بالهوية والثقافة والأمن الفكري والسيادة العلمية للدولة، وأي مشاركة خارجية فيه يجب أن تكون محددة النطاق، معلنة التمويل، معروفة الأهداف، وخاضعة لمؤسسات مصرية تملك الشرعية القانونية والعلمية.

والسؤال هنا ليس هل من حق مؤسسة طابة أن تعمل أو تقدم رؤيتها؟ بالطبع من حقها ذلك، لكن السؤال الحقيقي: بأي صفة ستشارك في تطوير الخطاب الديني المصري؟ وما حدود هذه المشاركة؟ ومن يراجع المحتوى؟ ومن يملك القرار النهائي؟.

أسئلة تنتظر إجابة وزير الأوقاف

كان من الضروري أن يصاحب توقيع البروتوكول إعلان أكثر تفصيلًا يجيب عن مجموعة من الأسئلة:ما نص البروتوكول كاملًا وما مدته؟ وما البرامج التي ستنفذ بموجبه؟ ومن يتحمل تكلفتها؟ وهل يتضمن تدريب أئمة وواعظات وزارة الأوقاف؟ ومن يضع المحتوى العلمي ومن يراجعه؟ وما مصادر تمويل مؤسسة طابة؟ وهل سيشارك أي مانح أو جهة أخرى في تمويل أنشطة البروتوكول؟ وما تشكيل مجلس أمنائها الحالي وخبرات أعضائه؟ وما الضوابط التي تحكم وجود المؤسسة ونشاطها في القاهرة؟ كذلك، ما دور الأزهر الشريف ودار الإفتاء والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية في مراجعة البرامج؟ ولماذا جرى اللجوء إلى مؤسسة خارجية بدلًا من توجيه التمويل والدعم إلى الأكاديميات والمراكز المصرية القائمة بالفعل؟.

الشفافية تحسم الجدل

لا يمكن إصدار حكم مهني نهائي على البروتوكول من عنوانه أو من الصور المنشورة لحفل التوقيع، كما لا يجوز تحويل التساؤلات إلى اتهامات غير مسندة بأدلة، لكن في المقابل، لا يكفي أن تطلب وزارة الأوقاف من المواطنين الاطمئنان إلى اتفاق يمس ملفًا حساسًا، بينما تكتفي ببيان عام لا يكشف التفاصيل الأساسية.

وقد يكون البروتوكول مجرد إطار محدود لتبادل الأبحاث وعقد الندوات، وقد تكون لدى مؤسسة طابة خبرات ترى الوزارة أنها مفيدة، لكن الطريق الأقصر لإنهاء الجدل هو نشر نص الاتفاق، والبرنامج التنفيذي، والالتزامات المالية، وأسماء القائمين على التدريب والمراجعة العلمية.

فمصر لا تفتقر إلى العلماء ولا إلى المؤسسات الدينية، وما تحتاجه في ملف تطوير الخطاب الديني ليس استبدال مرجعيتها أو استيرادها، وإنما توظيف إمكاناتها القائمة وإخضاع أي تعاون خارجي لقواعد واضحة من الشفافية والمساءلة.

ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة مباشرة من وزير الأوقاف: ما الذي ستقدمه مؤسسة طابة للخطاب الديني المصري ولا تستطيع مؤسسات مصر، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، تقديمه؟.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً