بعد 80 عامًا من خسارة الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي عام 1946، يعود سؤال التوافق بين البيت الأبيض والكونجرس إلى الواجهة. فبينما يواجه دونالد ترامب تحديات متشابكة مع الصين وروسيا وإيران، تبرز تجربة الرئيس هاري ترومان بوصفها محطة تاريخية تكشف كيف يمكن للانقسام الداخلي أن يؤثر في قدرة واشنطن على إدارة ملفاتها الخارجية.
من خسارة ترومان إلى اختبار ترامب.. ماذا تقول التجربة التاريخية؟
لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية عام 1946 مجرد خسارة انتخابية للحزب الديمقراطي؛ فقد أعادت رسم موازين القوى في واشنطن، ومنحت الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونجرس للمرة الأولى منذ سنوات طويلة. وجاءت النتيجة في وقت كانت الولايات المتحدة تحاول فيه الانتقال من اقتصاد الحرب إلى السلم، وتواجه أسئلة كبرى بشأن شكل النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ومستقبل علاقتها بالاتحاد السوفيتي.وجد الرئيس هاري ترومان نفسه أمام كونجرس معارض، في ظل خلافات حادة حول الاقتصاد والعمال والضرائب ودور الحكومة. لكن التطور الأهم لم يكن مجرد قدرة الجمهوريين على تعطيل أجندته الداخلية، بل ظهور مساحة للتعاون الحزبي في ملفات السياسة الخارجية، بعدما أدرك الطرفان أن التحديات الدولية تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة.
وكان السيناتور الجمهوري آرثر فاندنبرغ أحد أبرز الوجوه التي ساعدت على بناء هذا التوافق. فبدلًا من تحويل السياسة الخارجية إلى ساحة مواجهة دائمة مع البيت الأبيض، شارك في دعم توجهات استراتيجية كبرى، من بينها مساعدة اليونان وتركيا، ثم مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا، وصولًا إلى تأسيس حلف شمال الأطلسي عام 1949.
وجاءت عقيدة ترومان عام 1947 لتعلن تحولًا مهمًا في السياسة الأمريكية، عبر تقديم الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي للدول التي تواجه ضغوطًا خارجية أو تهديدات من أنظمة سلطوية. وقد طلب ترومان من الكونجرس 400 مليون دولار لمساعدة اليونان وتركيا، في خطوة ارتبطت بتصاعد التوتر مع موسكو.
لم يكن هذا التوافق يعني اختفاء الخلافات بين الحزبين، لكنه أظهر أن وجود أغلبية معارضة في الكونجرس لا يمنع بالضرورة بناء سياسة خارجية مشتركة، إذا توافرت مصالح استراتيجية واضحة وقيادات مستعدة للتفاوض.
ترامب أمام كونجرس ديمقراطي.. سلطة الرئيس في مواجهة رقابة المشرعين
بعد ثمانية عقود، يجد دونالد ترامب نفسه أمام اختبار يحمل بعض أوجه الشبه مع تجربة ترومان، لكنه يختلف عنها في طبيعة الملفات الدولية وسياق الصراع الداخلي. فوفق نتائج انتخابات التجديد النصفي التي جرت في 3 نوفمبر 2026، تمكن الديمقراطيون من انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، لتدخل واشنطن مرحلة جديدة من الانقسام بين رئيس جمهوري وكونجرس تسيطر عليه المعارضة.وتمنح هذه النتيجة الديمقراطيين أدوات مؤثرة لمراقبة الإدارة، تشمل رئاسة اللجان، وفتح التحقيقات، واستدعاء المسؤولين، ومراجعة الميزانيات، والتأثير في المصادقة على التعيينات الدبلوماسية والأمنية. كما يستطيع الكونجرس استخدام التشريعات والإنفاق والعقوبات لفرض قيود أو شروط على بعض توجهات الإدارة.
لكن السيطرة على الكونجرس لا تعني انتقال إدارة السياسة الخارجية بالكامل إلى الديمقراطيين؛ فالرئيس الأمريكي يحتفظ بصلاحيات واسعة في الدبلوماسية والتحركات العسكرية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. ووفق تحليل نشرته رويترز في 5 نوفمبر، قد يواجه ترامب رقابة تشريعية أكثر صرامة، بينما تظل قدرته على اتخاذ قرارات خارجية منفردة قائمة في عدد من الملفات.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي، هل تتحول الأغلبية الديمقراطية إلى شريك في صياغة سياسة خارجية مستقرة، أم تصبح أداة لمواجهة البيت الأبيض وتعطيل توجهاته؟
إيران.. الاختبار الأكثر إلحاحًا أمام الطرفين
يأتي ملف إيران في مقدمة التحديات التي قد تدفع الحزبين إلى التعاون أو المواجهة. فالحرب المستمرة منذ أكثر من ثمانية أشهر، وما ارتبط بها من ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، كانت من العوامل التي أثرت في نتائج الانتخابات وأضرت بالحزب الجمهوري، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس. وأقر ترامب بأن الحرب وتداعياتها الاقتصادية ساهمتا في خسارة حزبه، لكنه دافع عن استمرار المواجهة، معتبرًا أنها ضرورية لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي.وبالنسبة للديمقراطيين، لا يقتصر الخلاف على الموقف من إيران، بل يمتد إلى صلاحيات الرئيس في اتخاذ قرار الحرب، ومدى خضوع العمليات العسكرية للرقابة التشريعية. وقد يطالبون بمراجعة الإنفاق العسكري، وتقييد التمويل المخصص للعمليات، وفرض رقابة أكبر على قرارات التصعيد.
ومع ذلك، لا يعني اختلاف الحزبين استحالة التوافق على أهداف محددة، مثل منع الانتشار النووي، وحماية الملاحة في الخليج، وتجنب توسع الحرب إلى مواجهة إقليمية أوسع. لكن الوصول إلى اتفاق بشأن هذه الأهداف يتطلب تفاهمًا حول الوسائل: هل تكون الأولوية للمفاوضات والضغوط الاقتصادية، أم لاستمرار العمليات العسكرية؟
روسيا والصين.. مساحة أوسع للمصالح المشتركة
على الجبهة الروسية، قد تكون أوكرانيا والعلاقة مع الحلفاء الأوروبيين من أبرز نقاط الاحتكاك بين ترامب والكونجرس الجديد. فالديمقراطيون يعتزمون الدفع باتجاه استئناف الدعم الأمريكي لأوكرانيا، وإعادة بناء الثقة مع الشركاء الأوروبيين، في وقت أثارت فيه قرارات ترامب بشأن العقوبات على روسيا ومساعدات كييف انتقادات داخل الولايات المتحدة. وتشير رويترز إلى أن الديمقراطيين قد يسعون إلى استقطاب جمهوريين مؤيدين لاستمرار دعم أوكرانيا، بما يسمح ببناء أغلبية تشريعية أوسع.أما الصين، فقد تمثل نقطة التقاء محتملة بين الحزبين، رغم اختلافهما حول أساليب التعامل معها. فالتنافس على التكنولوجيا المتقدمة، وسلاسل الإمداد، والتفوق العسكري والاقتصادي، ملفات تتجاوز الانقسام الحزبي التقليدي. ويرى تحليل مؤسسة كارنيغي أن تعزيز القدرة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية الأمريكية في مواجهة الصين كان من المجالات التي شهدت تقاربًا بين الحزبين في تجارب سابقة من الحكم المنقسم.
لكن هذا التقارب لا يلغي الخلاف حول الرسوم الجمركية، وطبيعة التحالفات الآسيوية، وحدود المواجهة الاقتصادية مع بكين. فالديمقراطيون قد يؤيدون منافسة الصين، مع الاعتراض على سياسات تجارية يرون أنها تضر بالمستهلك الأمريكي أو بالحلفاء.
هل يستطيع ترامب تكرار نموذج ترومان؟
تقدم تجربة عام 1946 درسًا مهمًا، لكنه ليس وصفة جاهزة للتطبيق. فقد نجح ترومان في بناء تفاهمات خارجية مع خصومه، ليس لأنه أنهى الخلافات الداخلية، بل لأنه استطاع تحويل بعض القضايا الدولية إلى مصالح مشتركة، ووجد في الكونجرس شخصيات مستعدة للتفاوض والعمل عبر الانتماءات الحزبية.أما ترامب، فيواجه مشهدًا أكثر تعقيدًا؛ إذ تتداخل فيه الحرب مع إيران، والحرب الروسية الأوكرانية، والتنافس مع الصين، فضلًا عن تراجع الثقة لدى بعض الحلفاء في استمرارية الالتزامات الأمريكية. كما أن الانقسام داخل الحزبين نفسه قد يجعل التوصل إلى مواقف موحدة أكثر صعوبة.
ويظل الكونجرس قادرًا على التأثير في السياسة الخارجية من خلال التمويل والتحقيقات والتشريعات والمصادقة على التعيينات، لكنه لا يمتلك وحده القدرة على إيقاف كل تحرك رئاسي. وتؤكد تحليلات مجلس العلاقات الخارجية ومؤسسة كارنيغي أن تحويل الرقابة السياسية إلى قيود قانونية فعلية يتطلب تشريعات قابلة للإقرار، وأحيانًا دعمًا يتجاوز الأغلبية الحزبية المعتادة.
في النهاية، لا يتوقف مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية على حجم الأغلبية الديمقراطية داخل الكونجرس وحده، بل على استعداد البيت الأبيض والمعارضة للفصل بين الخلاف السياسي الداخلي والمصالح الاستراتيجية للدولة. فالتوافق حول الصين قد يكون ممكنًا، بينما تظل إيران وأوكرانيا أكثر الملفات عرضة للصدام، بسبب اختلاف الرؤى بشأن الحرب والدعم العسكري والعقوبات.
والفارق بين ترومان وترامب أن الأول واجه عالمًا يتشكل بعد حرب عالمية كبرى، بينما يواجه ترامب نظامًا دوليًا متعدد الأزمات، تتشابك فيه المنافسة الاقتصادية مع الصراعات العسكرية وأمن الطاقة والتحالفات.
لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كان ترامب سيكرر تجربة ترومان حرفيًا، بل ما إذا كانت واشنطن قادرة على إنتاج حد أدنى من التوافق يمنع تغير السياسة الخارجية الأمريكية مع كل تحول انتخابي. فاستقرار المواقف تجاه الصين وروسيا وإيران لا يخدم الإدارة الحالية وحدها، بل يؤثر في حسابات الحلفاء والخصوم، وفي صورة الولايات المتحدة باعتبارها قوة قادرة على الالتزام بتعهداتها.
ثمانون عامًا تفصل بين خسارة ترومان وانتكاسة الجمهوريين في انتخابات 2026، لكن الدرس التاريخي يظل حاضرًا: قد يمنح الناخبون المعارضة مفاتيح الكونجرس، إلا أن تحويل هذه المفاتيح إلى سياسة خارجية مستقرة يحتاج إلى ما هو أكثر من الفوز الانتخابي؛ يحتاج إلى اتفاق سياسي على المصالح التي لا ينبغي أن تتغير بتغير الحزب الحاكم.