تعد ليلة القدر "خير من ألف شهر"، وهي الليلة التي تنزل فيها الملائكة والروح بأمر ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر. وتؤكد دور الإفتاء في رؤيتها لهذه الليلة المباركة أنها ليست مجرد ظاهرة كونية مرئية بوضوح أو مشهد مادي خارق للعادة، بل هي ليلة روحية بامتياز، تتجلى فيها الرحمات والمغفرة لمن أخلص في العبادة والتقوى.
موقف الإفتاء من "الرؤية العينية"
توضح المؤسسات الإفتاء، وعلى رأسها دار الإفتاء المصرية، أن ما يشاع بين الناس حول رؤية "انشقاق السماء" أو "سجود الأشجار" أو "توقف دوران الأرض" ليس شرطاً ضرورياً لإدراك فضل هذه الليلة. فالليلة المباركة ليست مرتبطة بالضرورة بظواهر حسية يراها الجميع، بل هي "إخفاء" إلهي مقصود للحث على الجد والاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان. إن جوهر الليلة يكمن في صفاء النفس وتزكية الروح وكثرة الطاعة، فالعبد الذي يوفقه الله لإحيائها يجد في قلبه سكينة وطمأنينة لا يجدها في غيرها من الليالي.
العلامات الصحيحة: بين التواتر والاعتدال
حول العلامات التي وردت في الأثر، تبين دور الإفتاء أنها علامات "تنبيهية" وليست "تأكيدية" حتمية، ويمكن تلخيص ما استقر عليه جمهور العلماء في الآتي:
السكينة والاعتدال: أن تكون ليلة معتدلة لا حارة ولا باردة، يجد المؤمن فيها راحة نفسية وانشراحاً للصدر.
طلوع الشمس دون شعاع: وهي العلامة الأكثر شهرة، حيث تطلع الشمس في صبيحتها صافية من دون شعاع قوي كأنها "طست"، وذلك لما وصفه النبي ﷺ من هدوء الليلة وسلامها.
الراحة القلبية: أهم علامة هي إقبال العبد على الله، وشعوره بدموع الخشية، وانعقاد قلبه على التوبة، فهذه هي العلامة الحقيقية التي ينبغي على المسلم أن يفتش عنها في نفسه.
دعوة إلى إعمار الأوقات لا الترقب
تختتم دور الإفتاء توصياتها بأن انشغال المسلم بالبحث عن "العلامات" أو "المظاهر الكونية" قد يصرفه عن المقصد الأسمى، وهو العمل الصالح. إن توجيه الدار الدائم للمؤمنين هو أن يتحروا ليلة القدر في الليالي الوتر من العشر الأواخر بالصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء المأثور: "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا".
إن الليلة هي فرصة للتغيير الجذري في حياة الإنسان، فمن وفقه الله لقيامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وهذا هو الفوز الحقيقي الذي يفوق أي علامة مادية قد يراها الإنسان أو لا يراها.