تشهد الساحة اليمنية تحولات دراماتيكية أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول مصير مشروع «دولة الجنوب العربي»، بعد أن بدا أن هذا الحلم يقترب من التحقق، قبل أن تنقلب المعادلة السياسية والعسكرية خلال أيام قليلة.
فقد أعلن عيدروس الزبيدي، العضو السابق في مجلس القيادة الرئاسي ورئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، ما أسماه «إعلانًا دستوريًا» يقضي بالدخول في مرحلة انتقالية مدتها عامان تمهيدًا لإقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن. غير أن هذا الإعلان سرعان ما اصطدم بتطورات ميدانية وسياسية حادة، انتهت بفرار الزبيدي من معقله، وتراجع مشروع الانفصال إلى واجهة الجدل من جديد.
تحوّل في الموقف الإقليمي
ورغم أن السعودية كانت قد أبدت في وقت سابق تفهمًا للمطالب الجنوبية، مؤكدة أن «القضية الجنوبية قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية»، مع التشديد على حلها عبر حوار سياسي يمني شامل، إلا أن تحركات المجلس الانتقالي على الأرض دفعت الرياض إلى تغيير مقاربتها.
وبحسب معطيات المشهد الراهن، أطلقت المملكة عملية عسكرية ضد قوات المجلس الانتقالي، عقب توسعها خارج التفاهمات القائمة، وسيطرتها بالقوة على محافظات شرقي البلاد، في خطوة اعتُبرت تهديدًا مباشرًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وإخلالًا بالتوازنات التي ترعاها السعودية والتحالف الداعم للشرعية.
قرارات حاسمة من مجلس القيادة
في ظل هذا التصعيد، قرر مجلس القيادة الرئاسي إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي، متهمًا إياه بـ«الخيانة العظمى»، وإحالته إلى النائب العام. كما جددت الحكومة اليمنية رفضها القاطع للإعلان الصادر عن الزبيدي بشأن المرحلة الانتقالية والاستفتاء على تقرير مصير الجنوب.
وترافقت هذه القرارات مع تحركات عسكرية متسارعة، بعدما رفض المجلس الانتقالي مبادرة سعودية-إماراتية لسحب قواته من المناطق التي دخلها مؤخرًا، وواصل فرض سيطرته على محافظات حضرموت والمهرة وشبوة، إلى جانب تقدمه نحو أبين، ودخوله العاصمة المؤقتة عدن.
وأدى هذا الوضع إلى مغادرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قصر معاشيق الرئاسي متوجهًا إلى السعودية، بعد انسحاب القوات السعودية والسودانية من محيط القصر، إثر مضايقات تعرضت لها من قوات المجلس الانتقالي التي تسلمت السيطرة على المنطقة.
جذور تاريخية لدولة الجنوب
تعود فكرة «دولة الجنوب» إلى عام 1967، حين غادر آخر جندي بريطاني مستعمرة عدن، وأُعلنت «جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية»، قبل أن تتحول لاحقًا إلى «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية» ذات التوجه الاشتراكي، بقيادة الحزب الاشتراكي اليمني، لتكون الدولة الاشتراكية الوحيدة في شبه الجزيرة العربية.
وخلال العقود اللاحقة، شهد اليمن الشمالي والجنوبي صراعات وحروبًا واتفاقيات متكررة، من «اتفاق القاهرة» و«بيان طرابلس» في السبعينيات، وصولًا إلى إعلان الوحدة اليمنية في مايو 1990. غير أن حرب 1994 شكلت نقطة الانكسار الكبرى، وأسست لشعور جنوبي متراكم بالتهميش، مهّد لاحقًا لظهور الحراك الجنوبي، ثم تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي رسميًا عام 2017.
المجلس الانتقالي… رؤية وأدوات
يعرّف المجلس الانتقالي نفسه كـ«كيان وطني قيادي انتقالي» يسعى لاستعادة دولة الجنوب بحدود ما قبل عام 1990، ويؤكد أنه ليس حزبًا سياسيًا تقليديًا، بل إطار جامع لقوى الجنوب. ويعتمد في تحقيق أهدافه على مزيج من «الحراك السلمي» والقوة العسكرية التي يصفها بـ«المقاومة الجنوبية».
ويرى المجلس أن مهمته تنتهي مع تحقيق «التحرر الوطني» وبناء مؤسسات الدولة المستقلة، على أن يُحل كيانه بعدها، ويعاد تنظيم رموزه ضمن أطر سياسية وقانونية جديدة.
إلى أين يتجه المشهد؟
اليوم، تتجه الأنظار إلى مسار المواجهة المفتوحة بين المجلس الانتقالي من جهة، والقوات الحكومية والتحالف الداعم للشرعية من جهة أخرى. ويبقى السؤال المطروح بقوة: هل سيتمكن المجلس من الصمود وفرض مشروع «دولة الجنوب العربي» كأمر واقع، أم أن التطورات الأخيرة تعني عمليًا تأجيل هذا الحلم إلى أجل غير مسمى، في انتظار تسوية سياسية جديدة تعيد رسم مستقبل اليمن؟