يثير تصاعد الحديث عن احتمال سقوط النظام الإيراني تساؤلات متزايدة حول شكل المرحلة الانتقالية ومستقبل البلاد، في ظل تحذيرات من انزلاق إيران إلى فوضى داخلية أو صراع أهلي نتيجة غياب قيادة معارضة موحدة تحظى بإجماع شعبي.
وخلال الأشهر الماضية، برز اسم رضا بهلوي، نجل الشاه الإيراني المخلوع، باعتباره أحد أبرز وجوه المعارضة في المنفى، بعد إعلانه عن إنشاء منصة “آمنة” قال إنها تضم آلاف الموظفين الحكوميين والعسكريين المستعدين للعمل ضد النظام. وأشار بهلوي في مقابلات إعلامية إلى أن عدد المسجلين في هذه المنصة بلغ عشرات الآلاف، مع انضمام آلاف آخرين أسبوعياً، مؤكداً عزمه إطلاق منصة ثانية تستهدف مواطنين عاديين يرغبون بالمشاركة في التحركات المناهضة للسلطات.
ورغم هذه التصريحات، لم يتمكن بهلوي حتى الآن من الحصول على دعم سياسي علني من الإدارة الأميركية، أو لقاء مباشر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأمر الذي يعكس حذراً واضحاً في واشنطن تجاه الرهان على شخصية واحدة لقيادة إيران في مرحلة ما بعد النظام الحالي.
ويستحضر هذا الحذر الأميركي تجارب سابقة، أبرزها تجربة المعارض العراقي الراحل أحمد الجلبي، الذي لعب دوراً محورياً في الترويج لغزو العراق عام 2003، قبل أن تتكشف لاحقاً محدودية قاعدته الشعبية وفشل وعوده ببناء نظام ديمقراطي مستقر، ما ترك البلاد في دوامة من العنف والانقسام.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن التشابه لا يكمن في الخلفيات الشخصية، بل في طبيعة الخطاب والرهان الخارجي على شخصيات معارضة في المنفى، دون وجود مؤشرات واضحة على حجم التأييد الشعبي الحقيقي داخل البلاد. وتشير استطلاعات رأي متباينة إلى أن نسبة الدعم لبهلوي، حتى في أفضل التقديرات، لا تتجاوز نحو 30 في المئة، وهي نسبة لا تكفي لمنحه شرعية تمثيل واسعة.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً مع غياب كيان معارض جامع، إذ أظهرت احتجاجات عام 2022 التي اندلعت عقب وفاة مهسا أميني، أن المعارضة الإيرانية، خصوصاً في الخارج، فشلت في توحيد صفوفها أو إنتاج قيادة قادرة على التنسيق مع الحراك الداخلي.
ورغم محاولات لتشكيل ائتلاف معارض واسع، أبرزها مؤتمر عقد في واشنطن مطلع عام 2023 وضم شخصيات وكيانات متنوعة سياسياً وعرقياً، فإن الخلافات سرعان ما أطاحت بهذه التجربة، بعد انسحاب بهلوي منها، وسط اتهامات متبادلة بشأن فرض رؤى سياسية محددة، من بينها إعادة الملكية.
ويعكس هذا المشهد حجم الانقسامات داخل المعارضة الإيرانية، التي تتوزع بين تيارات قومية وعرقية، وأحزاب يسارية، وتنظيمات ملكية، وجماعات إسلامية معارضة، إضافة إلى فصائل مسلحة، لكل منها رؤيتها المختلفة لشكل الدولة ونظام الحكم. ويؤكد باحثون أن هذه التباينات الأيديولوجية والتنظيمية تحول دون بلورة مشروع سياسي موحد أو خطة انتقالية واضحة.
وتحذر أوساط أكاديمية وحقوقية من أن إسقاط النظام، في حال تم دون توافق وطني واسع، قد يفتح الباب أمام صراع داخلي شبيه بما شهدته دول أخرى في المنطقة، حيث تحولت لحظة “التحرير” إلى مرحلة طويلة من عدم الاستقرار والحروب الأهلية.
وفي ظل استمرار الاحتجاجات داخل إيران دون قيادة مركزية، يبرز تساؤل جوهري حول مدى استعداد الشارع الإيراني للقبول بقيادة معارضين يقيمون في الخارج منذ عقود، ومدى قدرة هؤلاء على تمثيل تطلعات الداخل وصياغة بديل سياسي يحظى بالقبول الشعبي ويجنب البلاد سيناريو الفوضى.