قالت وكالة “بلومبيرج” الأمريكية إن إيران تمر بإحدى أخطر أزماتها السياسية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، في ظل موجة احتجاجات غير مسبوقة اندلعت أواخر عام 2025 على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتحول سريعًا إلى أكبر حركة احتجاجية تشهدها البلاد منذ الثورة، وتُقابل بحملة قمع واسعة قادتها قوات الحرس الثوري.
ووفق التقرير، فإن ميزان القوة داخل النظام الإيراني بات يميل بوضوح لصالح الحرس الثوري، الذي تجاوز دوره العسكري التقليدي ليصبح الفاعل الأهم في السياسة والاقتصاد والأمن، وسط تراجع نفوذ المؤسسات المدنية والدينية. وأشار إلى أن الاحتجاجات اندلعت في مدن عدة بسبب الارتفاع الحاد في الأسعار، وتجاوز التضخم 40%، وانهيار العملة الوطنية التي فقدت أكثر من نصف قيمتها خلال عام واحد، إلى جانب تفاقم البطالة وتراجع القدرة الشرائية.
وأضافت الوكالة أن المطالب المعيشية سرعان ما تحولت إلى شعارات سياسية تدعو إلى تغيير جذري في بنية الحكم، ما دفع السلطات إلى الرد بإجراءات أمنية غير مسبوقة شملت استخدام القوة، وقطع الإنترنت على نطاق واسع، واعتقالات جماعية، وانتشار مكثف للقوات الأمنية في المدن الكبرى.
ولفت التقرير إلى أن انسحاب الشركات الدولية وانهيار القطاع الخاص أتاحا للحرس الثوري التوسع اقتصاديًا، إذ سيطر على قطاعات حيوية مثل الطاقة والإنشاءات والاتصالات والموانئ، ما جعله أشبه بـ“دولة داخل الدولة”، تدير اقتصادًا تُقدَّر قيمته بنحو 475 مليار دولار. ونقلت الوكالة عن محللين أن هذا النفوذ المالي يفسر تشدد الحرس في مواجهة أي تغيير جذري قد يهدد مصالحه.
وأشارت “بلومبيرغ” إلى أن الحرس الثوري بات الضامن الأساسي لاستمرار النظام، وينظر إلى الاحتجاجات باعتبارها تهديدًا للأمن القومي ومحاولة خارجية لزعزعة الاستقرار. كما رأت أن المؤسسة تحولت في صيغتها الراهنة إلى كيان “ما بعد أيديولوجي”، إذ لم يعد الولاء قائمًا فقط على الشعارات الثورية، بل على حماية المصالح القومية والمكاسب الاقتصادية.
وفي هذا السياق، حدد التقرير ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل إيران، أولها بروز “رجل قوي” من داخل الحرس أو من قدامى محاربيه، بما قد يعني تهميش القيادة الدينية التقليدية، وتقديم نموذج حكم عسكري–سياسي براغماتي يسعى لتهدئة الشارع عبر إصلاحات اقتصادية، لكنه سيصطدم بضرورة التعامل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرفع العقوبات، وهو خيار بالغ الحساسية للحرس.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في انقلاب عسكري يتولى فيه الحرس الثوري إدارة البلاد مباشرة. ورغم امتلاكه القوة الكافية، يرى التقرير أن الحرس يدرك كلفة الحكم المباشر وتحميله مسؤولية الأزمات، ما يفسر تفضيله تاريخيًا البقاء خلف الستار، مع احتمال تغيّر هذا النهج إذا شعر بخطر الانهيار الوشيك، رغم ترجيح الوكالة أن يقود ذلك إلى مزيد من التشدد والقمع.
ويتمثل السيناريو الثالث فيما تسميه “بلومبيرغ” بـ“الموت البطيء” أو الانهيار الفوضوي، إذ قد ينجح النظام في إخماد الاحتجاجات مؤقتًا، لكن أسباب الغضب تبقى قائمة، ومع غياب معارضة موحدة، قد يؤدي أي سقوط مفاجئ إلى فراغ سياسي وصراع بين مراكز القوى، ما يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية.
وخلص التقرير إلى أن دونالد ترامب يظل “العنصر الأكثر غموضًا” في المعادلة، بين التهديد والتلويح بالتفاوض، فيما رجّح أن أي بديل محتمل للنظام الحالي لن يكون ديمقراطيًا على النمط الغربي، بل نظامًا أكثر عسكرة وقومية. ونقلت الوكالة عن الباحث تريتا بارسي أن انتقال السلطة، إن حدث، سيكون على الأرجح إلى أطراف من داخل النظام نفسه، وقد تكون أكثر تشددًا من القيادات الحالية.