تشهد الساحة السوداني تحولاً جوهرياً في بنية الخطاب السياسي والعسكري للأطراف المتصارعة في السودان، حيث انتقل التركيز من "مربع البحث عن النصر العسكري الحاسم" إلى "مربع البحث عن النجاة". ويشير هذا التحول إلى إدراك متزايد باستحالة حسم الصراع عسكرياً، وبروز ضرورة ملحة لإيجاد صيغ تضمن بقاء الدولة ومؤسساتها من الانهيار الكامل.
انحسار أوهام "الحسم العسكري"
أوضح التقرير أن الأشهر الماضية شهدت سيطرة كاملة لمنطق "النصر" الذي روج له دعاة الحرب من الطرفين، حيث ساد الاعتقاد بأن فئة قادرة على سحق الأخرى وتثبيت حكمها بالقوة. ومع ذلك، اصطدم هذا المنطق بالواقع الميداني المعقد الذي أثبت أن الاستمرار في القتال لا يقود إلا إلى تدمير البنية التحتية وتفكيك النسيج الاجتماعي، مما جعل شعارات "الانتصار الكاسح" تفقد بريقها أمام حجم الخسائر البشرية والمادية.
"منطق النجاة": الأولوية لحماية ما تبقى
انتقل المحلل في القراءة إلى تفصيل مفهوم "منطق النجاة"، معتبراً أنه يمثل مرحلة الاستفاقة على حافة الهاوية. هذا المنطق لا يبحث عن الغلبة، بل يسعى إلى وقف النزيف وضمان عدم انزلاق السودان إلى حالة "اللانظام" أو الحرب الأهلية الشاملة. ويتمثل هذا التحول في تزايد الأصوات المطالبة بالعودة إلى طاولة المفاوضات، والبحث عن تسويات سياسية واقعية تتجاوز الطموحات الفردية أو الحزبية لصالح "نجاة الوطن".
التداعيات على القوى السياسية والمدنية
يسلط التقرير الضوء على دور القوى المدنية والسياسية في هذا التحول، حيث يقع على عاتقها بلورة هذا "المنطق الجديد" وتحويله إلى خارطة طريق عملية. ويرى المقال أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية إقناع الأطراف الحاملة للسلاح بأن التراجع عن خيار الحرب ليس "هزيمة"، بل هو قمة العقلانية السياسية لتجنب مصير الدول التي تلاشت تحت وطأة الصراعات الصفرية.
الخلاصة: مفترق طرق بين الفناء والبقاء
يخلص التقرير إلى أن السودان يقف الآن في لحظة تاريخية فاصلة؛ فإما الاستمرار في ملاحقة سراب "النصر" الذي لن يؤدي إلا إلى "الفناء المشترك"، أو اعتماد "منطق النجاة" الذي يتطلب تنازلات مؤلمة وشجاعة سياسية غير مسبوقة. إن الانتقال إلى هذا المربع الجديد هو المخرج الوحيد لضمان وحدة السودان واستعادة المسار المدني الديمقراطي الذي ضحى من أجله السودانيون.