أعاد إقرار مجلس النواب اللبناني لقانون جديد للعفو تسليط الضوء على الهوة الواسعة بين الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بصدور قانون العفو العام عام 1991 وتلك التي رافقت إقرار القانون الحالي في أغسطس 2026؛ إذ فجر النقاش حول تغير المفاهيم القانونية والغايات السياسية من وراء اللجوء إلى هذه التشريعات على مدار خمسة وثلاثين عاماً.
وفي قراءة لفلسفة التشريعين، يوضح الوزير السابق رشيد درباس أن قانون عام 1991 وُلد في أعقاب الحرب الأهلية بهدف رئيسي قمته تكريس «النسيان العام» وطي صفحة الماضي الدامي لفتح عصر سياسي جديد كلياً. وفي المقابل، يرى درباس أن قانون 2026 جاء لمعالجة مأساة إنسانية وقانونية تمثلت في التوقيفات الطويلة وغياب المحاكمات العادلة وما خلفته أزمة السجون من مظالم، مستدركاً بأن هذا الملف أُقحم للأسف في «بازار سياسي وطائفي» وخلافات حكومية صبت في تأجيج الحساسيات القائمة.
من جانبه، يضع وزير العدل السابق إبراهيم نجار خطاً فاصلاً بين التجربتين، مؤكداً أن قانون 1991 تميز بطابع سياسي تصالحي واسع النطاق طوى جرائم ما قبل مارس 1991 ذات الصلة بالحرب. أما قانون 2026، فلا يصنف كقانون عفو عام بالمعنى التقليدي، بل يراه نجار أشبه بـ«قانون جزائي اجتماعي» يختص بمعالجة أوضاع السجون عبر تخفيض استثنائي للعقوبات عن فئات محددة، مع استثنائه الصارم للجرائم الكبرى كقتل العسكريين، وجرائم المجلس العدلي، وتبييض الأموال، والجرائم المالية والمخدرات، فضلاً عن تضمنه أبعاداً سورية ولبنانية مرتبطة بملفات لجوء سابقة إلى إسرائيل.
ويتقاطع النائب والوزير السابق بطرس حرب مع هذه القراءة، مشيراً إلى أن القانون الجديد يمثل مزيجاً من التسوية السياسية والاعتبارات الإنسانية الملحة لإنهاء معاناة موظفين وسجناء أمضوا فترات طويلة بانتظار المحاكمة متجاوزة مدة العقوبة المفترضة. ومع ذلك، ينبه حرب إلى خطورة تجاوز حقوق الجيش اللبناني وضحاياه، لافتاً إلى أن إدراج قضايا الموقوفين الإسلاميين المرتبطة بمواجهات الجيش حول القانون إلى مادة تجاذب ومزايدات طائفية كشفت حجم التعقيدات التي تحيط بالملف، لتظل المعالجة تراوح بين الحاجة الإنسانية الملحة والاعتراضات السياسية العميقة.