كشفت تقارير إعلامية ودبلوماسية متطابقة عن تحركات أمريكية واسعة وغير معلنة تجري خلف الكواليس، حيث تقيم الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب اتصالات مكثفة ومباشرة مع قادة المعارضة الإسرائيلية. وتأتي هذه التطورات في ظل تراجع ملحوظ تعاني منه شعبية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في استطلاعات الرأي الأخيرة، وهو ما دفع واشنطن إلى السعي نحو تأمين مصالحها الإستراتيجية ومبادراتها الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، وضمان عدم تعرضها لأي أخطار ناتجة عن تقلبات المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل والانتخابات المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر المقبل.
وفي سياق متصل، أبدى عدد بارز من زعماء المعارضة الإسرائيلية، من بينهم غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت ويائير لبيد، مخاوف جدية من احتمالية تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لصالح نتنياهو ودعمه انتخابياً. ودفع هذا القلق قادة المعارضة إلى نقل إشارات دقيقة وغير معلنة إلى الرئيس الأمريكي ومساعديه المقربين، مستعينين في ذلك بشبكة من الأصدقاء المشتركين والمانحين والحلفاء السياسيين، حيث وجهوا دعوات صريحة تطالب الإدارة الأمريكية بالحفاظ على الحياد التام وعدم ترجيح كفة طرف على حساب آخر في السباق الانتخابي المقبل.
وعلى الصعيد الدبلوماسي والمكاشفة السياسية، تشير المعطيات إلى أن ترامب كان قد استفسر من نتنياهو بشكل مباشر، خلال اجتماع مغلق عُقد مؤخراً في المكتب البيضاوي، عن أحدث نتائج استطلاعات الرأي وفرصه الفعلية في الفوز بالانتخابات. ورغم حالة التردد والارتباك التي بدت على رئيس الوزراء الإسرائيلي في الإجابة، بادر أحد مستشاريه المقربين إلى قطع الشك باليقين زاعماً أن نتنياهو متقدم في السباق وسيحقق الفوز. غير أن الواقع الميداني لاستطلاعات الرأي يفيد بعكس ذلك تماماً، إذ يظهر تخلف نتنياهو عن منافسيه، وهو ما يفسر استمرار ترامب في رفض إعلان تأييده الصريح لترشحه رغم الضغوط الإعلامية المكثفة التي تتعرض لها الإدارة في هذا الملف.
وتقبع خلف هذه المقاربة الحذرة مخاوف استراتيجية عميقة لدى واشنطن من احتمالية تكرار سيناريو الشلل السياسي المدمر الذي أطاح بالاستقرار الحكومي في إسرائيل عام 2019. وتسعى الإدارة الأمريكية جاهدة إلى ضمان المضي قدماً في تنفيذ صفقاتها ومشاريعها الكبرى في المنطقة دون تعطل، بدءاً من خطط نزع سلاح حركة حماس في قطاع غزة، وصولاً إلى إبرام اتفاقية سلام وتطبيع تاريخية مع المملكة العربية السعودية، بغض النظر عن هوية الفائز أو نتائج التصويت المرتقب في أواخر أكتوبر.
وتؤكد مصادر مطلعة أن الموقف الحقيقي للرئيس الأمريكي تجاه نتنياهو يبدو أكثر فتوراً وبروداً مما تنقله التصريحات العلنية والخطابات الدبلوماسية. فبالرغم من وجود تعاطف شخصي يربط ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي، إلا أن حالة من الإحباط المتصاعد تسيطر على الإدارة الأمريكية حيال سياسات نتنياهو وقراراته المرتبطة بالسياسة الخارجية، خصوصاً في الملفات المعقدة المتعلقة بإيران ولبنان والوضع الإنساني والسياسي في قطاع غزة.
وعلى الرغم من لجوء ترامب في مناسبات عديدة إلى إبداء الإشادة بنتنياهو ووصفه بأنه رئيس وزراء ممتاز في أوقات الحرب، إلا أنه تعمد مراراً تجنب إعلان تأييده المباشر لعودته إلى السلطة عند سؤاله عن موقفه من الانتخابات. ونقل عن شخصيات رفيعة المستوى تواصلت مؤخراً مع ترامب قولهم إن الأخير يرى أن "بيبي هو أكبر عدو لنفسه"، في تعبير ساخر يعكس مدى الاستياء الأمريكي من الأداء السياسي لنتنياهو. وبحسب تحليل قدمه بني بريسكين، المستشار السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن ترامب قد يعمد عمداً إلى النأي بنفسه تماماً عن نتنياهو لتجنب تداعيات سمعته المثيرة للجدل، لا سيما مع اقتراب موعد انتخابات الكونغرس الأمريكي الحاسمة في الثالث من نوفمبر القادم.
وفي المقابل، يراهن نتنياهو على استراتيجية اللحظة الأخيرة لمنع خصومه ومعارضيه من صياغة وتشكيل ائتلاف حكومي بديل، بما يضمن له البقاء على رأس حكومة تصريف أعمال لفترة زمنية إضافية في حال تعذر تشكيل حكومة مستقرة بعد الانتخابات. وتأتي هذه المناورات السياسية في وقت حرج تُظهر فيه أحدث استطلاعات الرأي عجز ائتلاف نتنياهو عن حصد أكثر من تسعة وأربعين إلى ثلاثة وخمسين مقعداً في الكنيست، وهو رقم يبتعد كثيراً عن الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، في حين تكتسح أحزاب المعارضة ما بين سبعة وستين إلى سبعين مقعداً، مدعومة بتفوق لافت لرئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت على نتنياهو في مؤشرات القبول والقيادة.