تشهد الساحة السياسية السورية تحولات عميقة أعقبت التغييرات الأخيرة في السلطة، لتبرز مقاربة جديدة تجاه القضية الفلسطينية تتسم بالواقعية السياسية والامتثال للضغوط الدولية، متخلية عن الاستخدام التقليدي للقضية كأداة ضغط إقليمية. هذا التغير الجذري يضع دمشق في انسجام ملحوظ مع النظام الرسمي العربي وشروط المجتمع الدولي، متجاوزة الشعارات الأيدولوجية لصالح الاستقرار الداخلي وكسر العزلة السياسية.
وفي ظل هذه التحولات، تراجعت الأولوية الميدانية والإعلامية لفلسطين في الخطاب الرسمي السوري، حيث غابت أخبار الإبادة في غزة عن التغطية المعتادة، وسقط ذكر القضية من الإعلانات الدستورية ومؤتمرات الحوار الوطني. ويأتي هذا التوجه استجابة مباشرة للرؤية التي تبناها الرئيس أحمد الشرع، والتي ربطت بين بقاء البلاد على قوائم الدول الراعية للإرهاب ووجود الفصائل الفلسطينية المسلحة داخل الأراضي السورية، مفضلاً انتهاج سياسة نأي بالنفس تماشياً مع قواعد اللعبة السياسية التي تحكمها القمم العربية والاشتراطات الأمريكية لرفع العقوبات.
وعلى الصعيد الميداني، شهدت العاصمة السورية إجراءات أمنية غير مسبوقة تمثلت في تضييق الخناق على الفصائل الفلسطينية التي كانت مدعومة من النظام السابق وإيران. فقد سلمت تلك الفصائل سلاحها بالكامل للسلطات، بينما جرى توقيف عدد من قادتها البارزين ووضع آخرين تحت الإقامة الجبرية، في رسالة طمأنة واضحة للجانبين الأمريكي والإسرائيلي تفيد بإنهاء ظاهرة الميليشيات خارج سيطرة الدولة ومنع تهريب السلاح. وترافق ذلك مع امتناع القيادة السورية عن التواصل مع حركات المقاومة الميدانية، والانفتاح حصراً على السلطة الوطنية الفلسطينية والرئيس محمود عباس بوصفه الممثل الشرعي والمعترف به دولياً.
في المقابل، يدافع مقربون من الحكومة السورية عن هذه السياسات معتبرين إياها خياراً عقلانياً يحمي البلاد من صدام مدمر مع واشنطن وتداعيات الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للسيادة السورية. ويرى هؤلاء أن دمشق لم تتنكر لفلسطين، بل اختارت مقاربتها من بوابة الإجماع العربي والمبادرة العربية للسلام الصادرة في بيروت عام 2002، مع التركيز على دعم الشرعية الفلسطينية ورفض مخططات التهجير القسري، بعيداً عن سياسة المحاور والمتاجرة بالشعارات التي أثبتت فشلها سابقاً.
وعلى صعيد القوى الفلسطينية المختلفة، يُنظر إلى الانخراط السوري الجديد بوصفه فرصة لاحترام القرار الوطني المستقل بعيداً عن الوصاية والإملاءات، مع وجود تباينات في تقييم العلاقة المستقبلية مع حركات مثل "حماس". فبينما يشترط مراقبون وفاعلون محليون لزوم قطع "حماس" علاقاتها مع إيران وانضواءها تحت المظلة العربية لضمان دفء العلاقات مع دمشق، يرى آخرون أن البراغماتية السياسية المشتركة قد تفتح الباب نحو تقارب واقعي يوازن بين المتطلبات الإقليمية وضرورات العمل السياسي المشترك في المرحلة المقبلة.