ads
ads

الخبير الاقتصادي محمد محمود لـ «أهل مصر»: مصر قادرة على مضاعفة صادراتها لـ 200 مليار دولار | حوار

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية
كتب : مي طارق

في ظل المتغيرات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه التطورات الجيوسياسية من تحديات على الاقتصادات الناشئة، يظل الاقتصاد المصري أمام اختبار حقيقي للحفاظ على الاستقرار وتحقيق معدلات نمو مستدامة، بالتوازي مع جذب الاستثمارات وزيادة الصادرات وتعزيز دور القطاع الصناعي.

وفي هذا السياق، أجريت «أهل مصر» حوارًا مع الخبير الاقتصادي محمد محمود، للوقوف على أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، ورؤيته لمستقبل سعر الدولار وأسعار الفائدة، ومدى نجاح الحكومة في احتواء التضخم، إلى جانب تقييمه لمناخ الاستثمار وفرص تحول مصر إلى مركز صناعي إقليمي، وأبرز القطاعات القادرة على قيادة طفرة في الصادرات خلال السنوات المقبلة.

- ما أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري في المرحلة الحالية؟

يمر الاقتصاد المصري بمرحلة دقيقة تتزامن مع عدد من التحديات المحلية والخارجية. ومن أبرزها توجه الدولة نحو تقليل الاعتماد على برامج صندوق النقد الدولي، والاعتماد بصورة أكبر على برنامج إصلاح اقتصادي وطني، وهو ما يتطلب الحفاظ على وتيرة الإصلاحات وتحقيق التوازن بين النمو والاستقرار الاقتصادي.

كما تواجه مصر تحديات جيوسياسية ولوجستية نتيجة التطورات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يزيد من تأثر الاقتصاد المحلي بالأزمات الخارجية، سواء فيما يتعلق بحركة التجارة أو الاستثمار أو أسعار السلع والطاقة.

وتبرز أيضًا تحديات الطاقة والمياه، في ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والتغيرات المناخية، وهو ما يستدعي التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، وتأمين احتياجات السوق المحلية، إلى جانب تطوير منظومة إدارة الموارد المائية والاعتماد على أساليب ري حديثة تحقق الاستدامة الزراعية.

- ما الأولويات التي ينبغي التركيز عليها لدعم الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة؟

أرى أن الأولوية الأولى يجب أن تكون التصنيع من أجل التصدير، لأن بناء قاعدة صناعية قوية يمثل أحد أهم مفاتيح النمو الاقتصادي المستدام. وقد اتخذت الدولة بالفعل خطوات لتحسين مناخ الاستثمار وزيادة مشاركة القطاع الخاص، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب التوسع في الصناعات ذات القيمة المضافة وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق العالمية.

كما أن زيادة الصادرات يجب أن تصبح هدفًا استراتيجيًا، إذ تمتلك مصر المقومات التي تؤهلها لرفع صادراتها إلى ما بين 150 و200 مليار دولار سنويًا، مقارنة بالمستويات الحالية التي تدور حول 50 مليار دولار، وسيؤدي ذلك إلى تعزيز موارد النقد الأجنبي، وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي، وخلق المزيد من فرص العمل، بما يدعم معدلات النمو ويزيد من قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.

- هل بدأت مؤشرات الاقتصاد الكلي تعكس تحسنًا حقيقيًا أم لا تزال هناك ضغوط؟

شهدت مؤشرات الاقتصاد الكلي في مصر تحسنًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، ويمكن اعتبارها من أبرز المؤشرات الإيجابية على مستوى الأداء الاقتصادي. فهذه المؤشرات تشبه نتائج الفحوصات الطبية لجسم الإنسان، إذ تعكس بصورة عامة مدى قوة الاقتصاد واتجاهاته.

ومن أبرز المؤشرات الإيجابية، وصول الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى مستويات قياسية متجاوزًا حاجز 52 مليار دولار، وهو ما يعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية ويدعم استقرار الاقتصاد.

- شهد سعر الدولار تحركات ملحوظة خلال الفترة الأخيرة.. ما الأسباب الرئيسية؟

أعتقد أن السياسة التي يتبعها البنك المركزي حاليًا، والقائمة على مرونة سعر الصرف، ساهمت بشكل كبير في الحد من عودة السوق الموازية للعملة، وأتاحت للبنوك التجارية تسعير الدولار وفقًا لآليات العرض والطلب، وهو ما يعزز استقرار سوق الصرف.

ومن الطبيعي أن يشهد سعر الدولار بعض التحركات صعودًا أو هبوطًا، إلا أنها تظل ضمن الحدود المقبولة وتعكس المتغيرات الاقتصادية المحلية والتطورات العالمية، ولا تمثل مصدر قلق في ظل وجود سعر صرف مرن.

- هل نجحت الحكومة في احتواء معدلات التضخم؟

إذا نظرنا إلى المؤشرات الرسمية، يمكن القول إن الحكومة حققت تقدمًا في احتواء معدلات التضخم، حيث تراجع معدل التضخم الأساسي إلى نحو 14.3%، وهو ما يعكس تحسنًا في المؤشرات الاقتصادية مقارنة بالفترات السابقة.

لكن إذا انتقلنا إلى الواقع اليومي، فإن شعور المواطن يختلف إلى حد كبير عن الأرقام. فالتضخم تراجع بالفعل، إلا أن الأسعار لا تزال عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة التي شهدتها خلال السنوات الماضية. وبمعنى آخر، فإن انخفاض التضخم لا يعني تراجع الأسعار، وإنما يعني أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ.

- متى يمكن أن يشعر المواطن بانخفاض الأسعار وتحسن مستوى المعيشة؟

شعور المواطن بتحسن الأوضاع المعيشية لن يتحقق بمجرد تراجع معدلات التضخم، وإنما يحتاج إلى استمرار انخفاض وتيرة ارتفاع الأسعار لفترة زمنية، بالتوازي مع زيادة الدخول والأجور بمعدلات تتجاوز التضخم.

وعندما ترتفع القوة الشرائية للمواطن، ويصبح نمو الدخل أسرع من ارتفاع الأسعار، سيبدأ المواطن في ملاحظة تحسن حقيقي في مستوى المعيشة. فالتضخم يظل أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصادات حول العالم، ويُعد الهاجس الرئيسي أمام البنوك المركزية وصناع السياسات النقدية، لذلك فإن السيطرة عليه بشكل مستدام تمثل خطوة أساسية نحو تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحسين حياة المواطنين.

-هل تتوقع استمرار البنك المركزي في خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة؟

رغم التخفيضات التي أجراها البنك المركزي خلال الفترة الماضية، فإن أسعار الفائدة في مصر لا تزال من بين الأعلى على مستوى العالم، وهو ما يعكس حرص السياسة النقدية على تحقيق التوازن بين دعم الاقتصاد والسيطرة على التضخم.

وأتوقع أن يتجه البنك المركزي إلى التريث في اتخاذ قرارات خفض الفائدة خلال الفترة المقبلة، بحيث تكون أي تخفيضات محتملة مدروسة وترتبط بتطورات الأوضاع الاقتصادية محليًا وعالميًا، وليس وفق جدول زمني محدد.

- ما العوامل التي ستحدد مسار أسعار الفائدة في الفترة المقبلة؟

قرار خفض أسعار الفائدة لن يعتمد فقط على معدلات التضخم داخل مصر، وإنما سيتأثر أيضًا بعدد من المتغيرات الخارجية، أبرزها توجهات السياسة النقدية العالمية، وقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى جانب التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وما قد يترتب عليها من تأثيرات على الأسواق وأسعار الطاقة والتدفقات الاستثمارية.

كما يواجه البنك المركزي معادلة دقيقة تتمثل في الحفاظ على جاذبية أدوات الدين المصرية للمستثمرين، وفي الوقت نفسه الاستمرار في خفض معدلات التضخم ودعم النشاط الاقتصادي.

وبشكل عام، أرجح أن يواصل البنك المركزي المصري سياسة الخفض التدريجي والحذر لأسعار الفائدة، بما يحقق التوازن بين استقرار الأسعار، وجذب الاستثمارات، والحفاظ على استقرار سوق النقد.

- كيف تقيم مناخ الاستثمار في مصر خلال الفترة الحالية؟

شهد مناخ الاستثمار في مصر تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، في ظل الجهود التي بذلتها الدولة لتطوير بيئة الأعمال، وتيسير الإجراءات، وتحسين البنية التحتية، ويمكن القول إن هناك خطوات إيجابية ومؤثرة تم تنفيذها، إلا أن المرحلة المقبلة لا تزال تتطلب المزيد من الإصلاحات والإجراءات العملية لتعزيز جاذبية الاستثمار.

ورغم ذلك، تظل مصر واحدة من الوجهات الجاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة على مستوى القارة الإفريقية، كما تمتلك فرصًا واعدة في عدد من القطاعات، أبرزها الصناعة، والصناعات التصديرية، والعقارات، والسياحة، والخدمات اللوجستية.

- ما المطلوب لتعزيز جاذبية الاستثمار وزيادة تدفقاته إلى مصر؟

تعزيز الاستثمار يتطلب تبني استراتيجية واضحة وطويلة الأجل، تقوم على استقرار السياسات الاقتصادية، واستمرار الإصلاحات الهيكلية، مع العمل على مكافحة التضخم والحد من البيروقراطية، باعتبارها من أبرز العقبات التي تواجه المستثمرين في مختلف دول العالم.

كما ينبغي التوسع في قنوات التواصل مع المستثمرين، والاستفادة بشكل أكبر من البنية التحتية الحديثة التي أنجزتها الدولة خلال السنوات الماضية، وتحويلها إلى عنصر جذب للاستثمارات الجديدة.

ومن الضروري أيضًا دعم الصناعات التصديرية، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، مع تهيئة بيئة تشريعية وقانونية أكثر مرونة، وتبسيط الإجراءات الحكومية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد المصري ويزيد من قدرته على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

-هل تمتلك مصر المقومات التي تؤهلها لتصبح مركزًا صناعيًا إقليميًا؟

بالتأكيد، تمتلك مصر جميع المقومات التي تؤهلها للتحول إلى مركز صناعي إقليمي، ولم يعد هذا الهدف مجرد رؤية أو طموح، بل أصبح أقرب إلى التحقق في ظل ما تمتلكه الدولة من إمكانات اقتصادية وبشرية ولوجستية.

وتستند هذه الفرصة إلى عدة عوامل، في مقدمتها السوق المحلية الكبيرة، والقوة البشرية، والاستقرار السياسي، إلى جانب الموقع الجغرافي المتميز الذي يمنح مصر ميزة تنافسية في التجارة والصناعة، فضلًا عن شبكة البنية التحتية التي شهدت تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة.

- ما المطلوب لتحقيق هذا الهدف؟

رغم توافر المقومات، فإن تحقيق هذا التحول يتطلب العمل على تهيئة بيئة أعمال أكثر تنافسية، وتبسيط الإجراءات، والحد من البيروقراطية التي لا تزال تمثل أحد أبرز العوائق أمام جذب الاستثمارات الصناعية.

كما ينبغي الاستفادة بصورة أكبر من المزايا التي توفرها قناة السويس كمركز عالمي للخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، مع دعم الصناعات التصديرية، وتأهيل الكوادر البشرية بما يتوافق مع احتياجات الصناعة الحديثة.

وإذا نجحت الدولة في إزالة المعوقات الإدارية، وتعزيز بيئة الاستثمار، فإن مصر ستكون قادرة على استغلال إمكاناتها بصورة أفضل، والتحول إلى مركز صناعي ولوجستي يخدم الأسواق الإقليمية والعالمية.

- ما أبرز القطاعات القادرة على قيادة نمو الصادرات المصرية خلال الفترة المقبلة؟

تمتلك مصر فرصًا كبيرة لزيادة صادراتها، خاصة إذا ما قورنت قيمة الصادرات الحالية بحجم السوق المصرية وعدد السكان. وهناك عدد من القطاعات المرشحة لقيادة طفرة تصديرية خلال السنوات المقبلة، في مقدمتها صناعات الغزل والنسيج، والملابس الجاهزة، والصناعات الكيماوية، والصناعات الغذائية، والصناعات الهندسية، لما تمتلكه من قدرة تنافسية وفرص واسعة في الأسواق الخارجية.

وتتمتع هذه القطاعات بإمكانات تؤهلها لتحقيق معدلات نمو قوية، شريطة استمرار دعمها وتحفيزها وزيادة قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.

- ما الذي تحتاجه مصر لتحقيق طفرة حقيقية في الصادرات؟

تحقيق طفرة في الصادرات لا يرتبط فقط بزيادة الكميات المصدرة، وإنما يتطلب التركيز على الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، وزيادة نسبة المكون المحلي في المنتجات الموجهة للتصدير.

وتتمثل إحدى أبرز التحديات التي تواجه الصادرات المصرية في اعتماد عدد من الصناعات على مدخلات إنتاج مستوردة، وهو ما يقلل من صافي العائد بالنقد الأجنبي، إذ إن التصدير يدر عملة أجنبية، لكنه في الوقت نفسه يستهلك جزءًا منها في استيراد مستلزمات الإنتاج.

لذلك، فإن تعميق التصنيع المحلي، وزيادة نسبة المكون المحلي، والتوسع في تصدير المنتجات الصناعية بدلاً من الاعتماد على الصادرات الأولية أو منخفضة القيمة المضافة، يمثل الطريق الأمثل لتعزيز حصيلة الصادرات.

وأرى أن الصناعات التصديرية ستظل المحرك الرئيسي للتنمية الاقتصادية، لما لها من دور مباشر في زيادة موارد النقد الأجنبي، وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي، ودعم معدلات النمو المستدام، وهو ما يجعلها أحد أهم أولويات المرحلة المقبلة.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً