ads
ads

رئيس قسم المناهج بجامعة العاصمة: انتهى زمن «كليات القمة» (حوار)

د. أحمد عبد الرشيد
د. أحمد عبد الرشيد

مع إعلان نتيجة الثانوية العامة وبدء ماراثون تنسيق الجامعات، يعيش آلاف الطلاب وأولياء الأمور حالة من الحيرة في اختيار الكلية المناسبة، وسط تساؤلات حول كيفية الموازنة بين المجموع والطموح ومتطلبات سوق العمل. وفي هذا الحوار، يوضح الدكتور أحمد عبد الرشيد، أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس بكلية التربية بجامعة العاصمة، أهم المعايير العلمية لاختيار التخصص الجامعي، ويحذر من الانسياق وراء مسميات الكليات، مؤكدًا أن النجاح الحقيقي يبدأ من اختيار المجال الذي يتوافق مع قدرات الطالب وشغفه، وليس من اسم الكلية أو مجموع الثانوية العامة.

بعد إعلان النتيجة، ما أول نصيحة توجهها للطالب؟

أن يهدأ تمامًا، ويدرك أن المجموع ليس تقييمًا لشخصه أو لقدراته الحقيقية، بل هو مجرد رقم يفتح أمامه مسارات مختلفة.

وأهم نصيحة أوجهها له هي ألا يبحث عن الكلية التي يحبها المجتمع، بل يبحث عن المجال الذي يستطيع أن يبدع ويتميز فيه بعد خمس أو عشر سنوات من الآن.

لماذا يُعد اختيار الكلية قرارًا مصيريًا، وليس مجرد مرحلة في التنسيق؟

لأن التنسيق إجراء إداري مؤقت يستغرق أيامًا، أما اختيار الكلية فهو قرار يحدد ملامح 30 أو 40 عامًا من حياة الطالب المهنية والاجتماعية والشخصية.

التنسيق يرتب الرغبات، لكن الاختيار الصحيح هو الذي يبني الشغف ويحقق الاستقرار النفسي والوظيفي.

ما أكثر الأخطاء التي يقع فيها الطلاب وأولياء الأمور أثناء التنسيق؟

أبرز الأخطاء تتمثل في التفكير بمنطق 'كليات القمة والقاع'، وهو مفهوم لم يعد مناسبًا للواقع الحالي، وكذلك اختيار الكلية بناءً على مجموع الدرجات فقط دون النظر إلى ميول الطالب وشغفه ومهاراته.

كما يقع البعض في خطأ إرضاء رغبات الوالدين على حساب رغبة الطالب، أو الانسياق وراء مسميات الكليات دون دراسة حقيقية لاحتياجات سوق العمل.

ما المعايير العلمية التي يجب أن يعتمد عليها الطالب عند اختيار الكلية؟

اختيار الكلية المناسبة يمثل معادلة قد تبدو صعبة، لكنها ليست مستحيلة، وهي تقوم على تحقيق التوازن بين المجموع والطموح والاستثمار الحقيقي في بناء العقول.

والمعادلة الذهبية تتكون من ثلاثة عناصر رئيسية: القدرة والمهارة، والشغف والاهتمام، واحتياجات سوق العمل المستقبلية.

وعندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة في مجال معين، يكون هذا هو الاختيار الأمثل للطالب.

هل يمكن أن يتحول فرح النجاح إلى بداية أزمة إذا التحق الطالب بكلية لا تناسب شخصيته؟

نعم، مع الأسف، فقد التحق كثير من الطلاب بكليات بسبب 'البريستيج' أو ارتفاع المجموع، ثم فوجئوا بصعوبة الدراسة أو بعدم توافقها مع شخصياتهم وقدراتهم، وهو ما أدى إلى التعثر الدراسي أو الإحباط النفسي.

فالنجاح الحقيقي لا يبدأ يوم إعلان التنسيق، وإنما يبدأ داخل الكلية ويستمر بعد التخرج.

هل يمكن أن يحصل الطالب على مجموع مرتفع، لكنه لا يحقق نجاحًا مهنيًا بسبب الاختيار الخاطئ؟

بالتأكيد، فسوق العمل لا يعترف بمجموع الثانوية العامة، وإنما يعترف بالمهارة والإبداع والقدرة على التطور والاستمرار.

ومن يدخل مجالًا لا يحبه فقط بسبب ارتفاع مجموعه، غالبًا ما يؤدي عمله بشكل روتيني، دون شغف، فيصبح موظفًا تقليديًا يسهل استبداله.

هل من حق الأسرة، بعد كل ما بذلته من جهد وتضحيات، أن يكون لها القرار النهائي في اختيار مستقبل الأبناء؟

من حق الأسرة أن توجه وتنصح وتشارك بالرأي والمشورة، لكن القرار النهائي يجب أن يكون للطالب، لأنه هو من سيحضر المحاضرات، وهو من سيعمل في هذه المهنة طوال حياته.

ودور الأسرة هو الدعم والإرشاد، وليس الفرض أو الإجبار.

كيف نوازن بين حلم الآباء والأمهات وحلم الأبناء؟

يكون ذلك من خلال الحوار الهادئ المبني على الحقائق والأرقام واحتياجات سوق العمل.

ويجب أن يدرك الوالدان أن محاولة تحقيق أحلامهما من خلال الأبناء قد تكلف الابن سعادته ونجاحه، كما يجب على الابن أن يشرح رؤيته بهدوء، ويوضح لأسرته كيف يرى مستقبله في المجال الذي اختاره بإرادته.

أحيانًا يحاول الأب والأم تحقيق أحلامهما من خلال أبنائهما.. إلى أي مدى يمثل ذلك ضغطًا نفسيًا على الطالب؟

يمثل ذلك ضغطًا نفسيًا كبيرًا جدًا، ويضع الطالب في صراع دائم بين إرضاء والديه وتحقيق ذاته، وقد يشعر بالذنب أو التقصير إذا لم يستطع التكيف مع الاختيار الذي فُرض عليه.

فالأبناء امتداد لآبائهم، لكنهم ليسوا نسخًا منهم.

كيف تتعامل الأسرة نفسيًا مع طالب اجتهد كثيرًا، لكنه لم يحقق المجموع الذي كان يتمناه؟

يجب أن تؤكد الأسرة للطالب أن حبها ودعمها له غير مرتبطين بالمجموع.

ومن المهم أن يسمع من أسرته: 'نحن فخورون بجهدك، وسنساندك في أي مجال تختاره'.

فالاحتواء النفسي في هذه المرحلة هو الذي يبني شخصية قوية قادرة على مواجهة التحديات والصعاب.

كيف يكتشف الطالب ميوله وقدراته قبل اتخاذ قرار اختيار الكلية؟

يمكنه ذلك من خلال تحليل المواد التي كان يستمتع بدراستها، وتحديد المهارات التي يمتلكها، سواء كانت التفكير التحليلي أو التواصل أو الإبداع.

كما يُنصح بإجراء اختبارات الميول المهنية، والتحدث مع خريجين ومتخصصين في المجالات المختلفة للتعرف على طبيعة العمل الحقيقية.

وأؤكد أن الشغف وحده دون وجود فرص حقيقية في سوق العمل قد يتحول إلى مجرد هواية، كما أن سوق العمل دون شغف يصبح عبئًا على الإنسان، لذلك يجب أن يطور الطالب شغفه بما يتوافق مع احتياجات السوق.

كيف يوازن الطالب بين شغفه ومتطلبات سوق العمل؟

من خلال تطوير مهاراته باستمرار، واكتساب المهارات التكنولوجية والرقمية التي تساعده على ربط شغفه بالاتجاهات الحديثة في سوق العمل.

هل ما زالت المفاهيم التقليدية حول "كليات القمة" صالحة اليوم؟

إطلاقًا، فمفهوم 'كليات القمة' بصورته التقليدية لم يعد قائمًا، القمة الحقيقية اليوم هي المجال الذي يستطيع الطالب أن يوظف فيه مهارات التفكير والابتكار، ويحقق من خلاله النجاح المهني والاستقلال المالي.

وهناك خريجون في تخصصات حديثة حققوا نجاحات وتأثيرًا يفوق كثيرًا خريجي بعض التخصصات التقليدية.

ما التخصصات التي تتوقعون أن يزداد الطلب عليها خلال السنوات المقبلة؟

من أبرزها: علوم البيانات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والطاقات المتجددة، والبرمجة وتطوير البرمجيات، والتسويق الرقمي، بالإضافة إلى التخصصات البينية التي تجمع بين التكنولوجيا والعلوم الأخرى، مثل التكنولوجيا الحيوية والتعليم الإلكتروني.

كيف تؤثر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في مستقبل المهن؟

الذكاء الاصطناعي لن يستبدل البشر، وإنما سيكون الاستبدال لصالح البشر الذين يجيدون استخدام الذكاء الاصطناعي، على حساب من لا يستخدمونه.

فالمهن الروتينية ستتراجع تدريجيًا، بينما ستزداد أهمية المهن التي تعتمد على الإبداع، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والابتكار.

لماذا لا يزال المجتمع يقيس نجاح الطالب باسم الكلية أكثر من نجاحه داخلها؟

بسبب الموروث الثقافي المتراكم عبر عقود طويلة، لكن هذا الفكر بدأ يتراجع تدريجيًا، وعلينا جميعًا، سواء وسائل الإعلام أو المؤسسات التعليمية، أن نرسخ ثقافة جديدة تؤكد أن النجاح الحقيقي يصنعه الإنسان داخل مجاله، وليس اسم الكلية التي تخرج فيها.

أخيرًا.. ما الرسالة التي توجهها لكل أسرة وطالب في الثانوية العامة أو المقبلين عليها؟

رسالتي للطالب، ثق بنفسك، واعلم أن التميز ينبع منك أنت، وليس من اسم الكلية. اختر ما تحب وما تتقن، واجتهد فيه، وستصبح رائدًا في مجالك.

أما رسالتي للأسرة فهي: كونوا الملاذ الآمن والداعم الأول لأبنائكم، ولا تقارنوهم بغيرهم، وساعدوهم على اكتشاف شغفهم، وبناء مستقبلهم بثقة واطمئنان.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً