اعلان

الدكتور عبد الراضي عبد المحسن يكتب: الشعراوي بين الغزالِيَّيَن في مواجهة الوعي الزائف

الأستاذ الدكتور عبد الراضي عبد المحسن ـ العميد السابق لكلية دار العلوم جامعة القاهرة
الأستاذ الدكتور عبد الراضي عبد المحسن ـ العميد السابق لكلية دار العلوم جامعة القاهرة

الوعي الزائف ليس محصورا فيما يُكتب أو يُقال بخلاف الحقيقة وضد العقل والبداهة والمسلّمات والمعلوم من الدين بالضرورة، وذلك بهدف إقصاء الوعي الرشيد والفهم الصحيح لقضايا الإيمان والأديان والأوطان، وإحلال التصورات والمفاهيم الخاطئة لأجل تحقيق الأجندات الخاصة، والتوجهات الحزبية والمذهبية النفعية والمِلّية أو الطائفية العنصرية.

وإنما الوعي الزائف يتضمن كذلك إثارة الشكوك والشبهات وإلقاء الأباطيل والشبهات على الرموز والقيادات والأئمة والقامات ذات الدور الريادي التأسيسي، أو الإصلاحي أو التوجهي، في محاولة لإحداث القطيعة النفسية والشعورية والفكرية معها، وتشويهها لنزع المهابة عنها وتفريغ إسهامها الفكري والديني والعلمي والثقافي والحضاري من قيمته، والحيلولة دون نفاذه إلى جمهور المتلقين، وإبطال تأثيرهم الروحي والعقلي الناتج عن القناعة والاقتناع، اللذين تتولَّد عنهما رابطة شعورية وعقلية لها الدور الأكبر فى الإصلاح والتنوير الأخلاقي والمعرفي والديني.

الغزاليان والشعراوي

ونظرا لهذه المكانة التأثيرية المرموقة التي تبوّأها الغزاليَّان حُجّة الإسلام أبو حامد والشيخ محمد الغزالي، ومعهما الشيخ الشعراوي، فإن تلك السهام المسمومة قد طالتهم في حياتهم وبعد مماتهم.

فحُجّة الإسلام الذي استطاع تبسيط قواعد الإيمان ومسائله، وتثبيتها في العقول بأبسط الأدلة القريبة من العقول وغزو القلوب والأرواح من خلال كتابه «إحياء علوم الدين»، الذي غدا مرجعا لأهل العقول والقلوب، ومنهاج القاصدين الطريق الروحي والسلوكي.

قد تمَّ توجيه الطعنات إليه بأنه قد أمرضه الشفاء ـ أي كتاب الشفاء لابن سينا الفيلسوف ـ وأنه قد دخل جوف الفلاسفة ولم يستطع الخروج.. إلخ.

والشيخ محمد الغزالي بمجرد رفضه لجماعة الإخوان المسلمين، وخروجه عليهم رموه بالزندقة، كما يحكى هو نفسه في كتاباته.

ولمّا حاول بيان حقيقة الموقف الصحيح من مسألة تأثير الجن على الإنسان وتلبُّسه وإمراضه، وكذلك قيمة المرأة في الإسلام ورفضَ المفاهيم المغلوطة التي تقلّل من شأنها استنادا إلى مرويات إما غير مُسنَدة إسنادا صحيحا، وإما كانت حالات ظرفية تاريخية مخصوصة لا تتعداها إلى غيرها، وكذلك تصريحه بالاستماع إلى أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، استنادا إلى رأيه في عدم صحة الأحاديث التي تحرم الغناء، واتفاقه مع الإمام ابن حزم الظاهري في ذلك جملة وتفصيلا، عند ذلك قاموا بنصب المشانق الفكرية له، واتهموه بإنكار السنة النبوية وجحدها، بسبب كتابه «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث».

أما الشيخ الشعراوي فهو الحاضر دوما في أبجديات أصحاب الوعي الزائف، منذ كان حيّا، حيث كان الروائي الدكتور يوسف إدريس يستهدفه بشكل دوري كلما أراد مكانة وحضورا إعلاميا، ينافس به الحضور الوجداني والفكري والديني للشيخ الشعراوي، ولم يفوت مفيد فوزي فرصة إعلامية للهجوم على الشيخ.

إلى أن وصلنا إلى الهجمة الحالية، التي انطلقت فيها أبواق عدة في وقت واحد، وعلى موجة واحدة، مما يثير الريبة والشكوك في أهدافها ودوافعها وتوجهاتها، وهل تقتصر على مجرد الرغبة في الحد من المحبة والتقدير والتأثير الطاغي لهذا الشيخ في نفوس المتلقين من المثقفين والمختصين والعَوَام على حدٍّ سواء؟ أم أنها الغيرة والحسد من ضآلة وهامشية تأثيرهم في مقابل تأثير الشعراوي النافذ، مفسِّرا وتربويا ولغويا وزاهدا، تظل مقولاته وخواطره القرآنية، التي أودعها اللهُ تبارك وتعالى مهجته كما قال العظيم محمد إقبال:

خواطر مهجتي صعدتْ إلى شفتي

ليُبينَ عنها منطقي ولساني

تظل هديا مرشدا لعامة الأصفياء والأنقياء؟

أم أنَّ وراء الأكَمَة ما وراءها؟

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً