ads
ads

وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا

محمد مختار
محمد مختار

في سياق البناء القرآني للمجتمع القائم على الرشد والعدل وحسن التدبير، تأتي الآية الكريمة: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: 5]؛ لتؤسس مبدأً دقيقاً في إدارة المال، يجمع بين حفظ الحقوق ومنع الإفساد، وبين الرحمة والرعاية الإنسانية. فالآية لا تقف عند حد النهي عن تمكين غير الرشيد من المال، بل تمتد لتضع إطاراً أخلاقياً واجتماعياً للتعامل معه، بما يحقق مصلحة الفرد والجماعة معاً. وقد اتفق جمهور المفسرين على أن المراد بـ «السفهاء» هم مَن لا يُحسنون التصرف في المال لصغرِ سنٍّ، أو نقصِ عقلٍ، أو سوءِ تدبيرٍ؛ سواء كانوا من اليتامى أو غيرهم، رجالاً أو نساءً، ما دام السفه وصفاً قائماً يترتب عليه إضاعة المال وإفساده.

ويُلاحظ أن التعبير القرآني جاء بلفظ «أموالكم»، مع أن المخاطَب قد يكون وليًّا على مال غيره؛ للدلالة على أن المال في حقيقته قوام المجتمع كله، وأن إضاعته من أي فرد تُعدُّ ضرراً عاماً لا يقتصر على صاحبه. وتبرز في الآية دلالة عميقة حين يصف الله المال بأنه «قياماً»، أي: ما تقوم به شؤون الحياة وتستقيم به مصالح الناس؛ فيكون حفظه وتنميته مقصداً شرعياً لا يقل أهمية عن إنفاقه في مواضعه الصحيحة. ومن هنا كان الحجر على السفيه إجراءً وقائياً لا عقوبة، هدفه صيانة المال حتى يبلغ صاحبه درجة الرشد القادر على حسن التصرف.

غير أن الخطاب القرآني لا يختزل العلاقة مع السفيه في المنع والحجر فقط، بل يوازن ذلك بالأمر بالإحسان إليه: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾، أي: اجعلوا نفقتهم وكسوتهم من أموالهم نفسها، دون تبديد أو تقتير، في صورةٍ تكفل لهم حياةً كريمةً تحفظ إنسانيتهم. ثم يضيف البعد النفسي والاجتماعي بقوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾، أي: خاطبوهم بلطف واحترام، بعيداً عن القسوة أو الإهانة؛ لأن الرشد المالي لا ينفصل عن التربية الأخلاقية وبناء الثقة. وعليه، تمثل هذه الآية مدخلاً تأسيسياً لفهم التصور الإسلامي للمال بوصفه أمانة اجتماعية، تُدار وفق معايير الرشد والكفاءة، وتُصان من العبث، مع الحفاظ في الوقت نفسه على كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية؛ فهي آية تجمع بين التشريع والخُلق، وبين الاقتصاد والتربية، في نسق قرآني متكامل.

الرؤية القرآنية: الارتقاء بالمال من غاية إلى وسيلة

تُعدّ هذه الآية من الآيات المركزية في التشريع الإسلامي فيما يتعلق بحفظ المال وتنظيم تداوله في المجتمع؛ فهي تؤسس لرؤية قرآنية ترتقي بالمال من مجرد عرضٍ زائل أو وسيلة للمتاع، لتجعل منه عصب الحياة وقوام الوجود الإنساني. إن الآية الكريمة حين تنهى عن إيتاء السفهاء حق التصرف في الأموال، إنما تضع حجر الأساس في بناء 'المجتمع الراشد' الذي يعي قيمة الأمانة المستخلفة في أعناق البشر. فالمال في التصور الإسلامي ليس ملكية مطلقة للفرد يبددها كيفما شاء، بل هو «قيامٌ» جعل الله به صلاح أحوال الناس، واستقامة معاشهم، وإقامة صرح حضارتهم على أسس من القوة والمتانة.

صيانة المال من عبث العابثين وسفه الجاهلين

عندما نتأمل في دلالات هذا النهي الرباني، نجد أن صيانة المال من عبث العابثين هي في حقيقتها صيانة لوظيفة المال الاجتماعية والاقتصادية؛ فمن لا يُحسن تدبير أمره أو يجهل موازين الإنفاق، إنما هو مِعول هدمٍ يهدد مصالح الجماعة في أخص خصائصها. وكما يشير الإمام السعدي في تفسيره، فإن الخشية هنا تنبع من إفساد جوهر المال وإتلافه؛ فالذي لا يقدر على حماية الثروة أو استثمارها فيما ينفع الناس، يُعدُّ مُفرطاً في رسالة المال التي أرادها الله. لذا، كان الحجر على السفيه رحمةً به، وحفظاً لكيان المجتمع من التفكك والضياع، ليبقى المال وسيلة بناء لا أداة ترفٍ ودمار.

تنظيم الولاية المالية: ميزان الأمانة ورشد الاستخلاف

إن المنهج الرباني في تنظيم الولاية على المال لا يقف عند حدود القواعد المادية الجامدة، بل ينفذ إلى جوهر الاستخلاف البشري؛ فالآية الكريمة تضع دستوراً دقيقاً لحماية الضعفاء من الأيتام وغيرهم ممن لم تكتمل مداركهم لخوض غمار الحياة. إنها 'ولاية الرشد' التي تجعل من الحجر على السفيه عملاً من أعمال الصيانة لا الحرمان، وبناءً لا هدماً. فالوصيُّ على مال اليتيم أو السفيه لا يمارس سلطة تسلطية، بل يؤدي واجباً اجتماعياً وشرعياً مقدساً؛ لكي لا يتسرب قوام الحياة من بين يدي من لا يحسنون التمسك به. وكما ينجلي في تفسير القرطبي، فإن قواعد الوصاية والولاية هي في حقيقتها سياجٌ يحمي الثروة من الضياع، ويضمن بقاءها قوةً فاعلة في جسد الأمة، حتى يبلغ القاصر رشده ويصبح أهلاً لحمل الأمانة ومباشرة مقتضيات الاستخلاف.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً