بين سفرة عبد الرشيد الأولى والأخيرة لبنغازي مرت عشرون سنة. في بنغازي عام 2012، كانت صور القذافي ممزقة أو مشوهة، وشوارع المدينة تحت إمرة 'سرايا الثوار'، وفي كرافانات متحركة تقبع لجان الأمن الوقائي التابعة للثوار؛ حيث يتعرش كل من هو أسود اللون للخطف والتعذيب حتى يثبت أنه ليس من مرتزقة القذافي الذين استباحوا المدن الليبية خلال الثورة. كان الموت بالمجان للجميع، لكن الفرحة بالثورة كانت تعلو الوجوه.
تلفت عبد الرشيد من حوله، فوجد كل حوائط مطار طرابلس العالمي مزدحمة بمنشورات تهاجم الإخوان. وعلى جوانب ممر مدرج المطار، توجد سيارات عسكرية مبعثرة يوحي شكلها بعدم الانضباط العسكري. وفي ممرات المطار وحول مداخل ومخارج الجمرك، ينتشر مسلحون يخلطون بين الملابس المدنية والملابس العسكرية المموهة، بلحى غير مهذبة تدل على أنهم أفراد ميليشيات وليسوا من قوة عسكرية نظامية؛ وفي طرابلس عرف عبد الرشيد من صديق له يدير وكالة صحفية أنهم ميليشيات الزنتان.
لم يطمئن عبد الرشيد إلا بعد أن أقلعت طائرة الخطوط الليبية لتهبط في الإسكندرية. وبعد استراحة لم تدم طويلا، طار عبد الرشيد مجددا ولكن هذه المرة إلى جدة، حيث أدى العمرة في مكة المكرمة، ثم غادر سكنه في حي الحرمين بجدة في رحلة جديدة إلى كازابلانكا
. وفي الطريق إلى مطار جدة، لم يمل عبد الرشيد من ثرثرة سائق التاكسي الباكستاني بلغته التي تجمع خليطاً من ألفاظ لا تنتمي لأي لغة لكنها محببة في النهاية، على الرغم من أن عبد الرشيد كان بالكاد يفهم الموضوع الذي يتحدث عنه السائق.
قال سائق التاكسي: «هذا نفر مخ خربان! إيش كلام هذا؟ كله اقتل اقتل اقتل! هذا أمسك بعدين شغل 'علي بابا'.. نفر ناس تبغي مأكول، ما تبغي اقتل اقتل!!».
في مطار كازابلانكا، صدمت اللغة الفرنسية عيني وأذني عبد الرشيد الذي هبط لتوه من طائرة الخطوط الجوية السعودية القادمة من جدة. كانت تلك الصدمة الأولى لعبد الرشيد وهو فوق السحب، صدمة من بين صدمات كثيرة تلقاها في كل ما يؤمن به وفي كل من حوله خلال العامين الأخيرين.
في المطار، كان الجميع يتحدث بالفرنسية، وزاغت عينا عبد الرشيد بين النهود العارية والسيقان المكشوفة، ولكن الفتنة هذه المرة لم تعد قاصرة على 'اللحم الأبيض' للمغربيات أو السعوديات فقط؛ فهناك إفريقيات فارعات الطول بأجساد تصرخ: (يا رجال العالم افتتنوا!)، وأوروبيات تفضح لغتهن الإسبانية جنسيتهن، وتُصدّق على تلك الفضيحة نهود وأكتاف برونزية عارية تماماً، وسيقان وأفخاذ مثالية التكوين، ومؤخرات عابثة لا تسترها إلا قطعة قماش جينز صغيرة في شكل (شورت) لا يمكن وصفه أبداً بأنه نوع من الملابس.
لم يستطع عبد الرشيد أن ينام في غرفته بالفندق الذي يطل على المحيط الأطلسي؛ فندق متواضع لكن سعر الغرفة فيه يتجاوز 300 درهم لليلة الواحدة. كان التلفزيون معطلاً تقريباً، فلم يستطع مشاهدة قناة 'الجزيرة مباشر مصر'. طاردته صور النساء والفتيات المغربيات بملابسهن المكشوفة في شارع 'غاندي'، ولفت نظره قيادة الفتيات للدراجات البخارية، كما أعجبه عمل النساء في كل الوظائف، وحتى قيادة 'التاكسي'.
نساء كازابلانكا
نزل عبد الرشيد إلى الملهى الليلي الملاصق للفندق، وفي المدخل رحب به شاب يرتدي حلة راقية بكلمات رقيقة. دخل إلى صالة الملهى وصدمه مشهد العري وكمية 'اللحم المكشوف' من كل الألوان. وبخلاف بائعات الهوى اللواتي تعرف عليهن عبد الرشيد بعد خروجه من السجن، كانت فتيات الملاهي في المغرب لا تظهر على وجوههن تلك العلامات المميزة للمومسات في مصر؛ فمن يتمعن النظر في وجوه المغربيات، يلمح خلف طبقة المكياج الرقيقة ملامح بريئة لفتيات جميلات دفعهن الجوع والحرمان لبيع أجسادهن لمن يدفع الثمن.
كانت النصيحة الوحيدة التي أسداها له صديقه قبل أن يغادر جدة ، ووجد عبد الرشيد أنها ضرورية، هي تحذيره من التوقيع على أكثر من وثيقة زواج طوال فترة تواجده في المغرب، حتى لا يُحاكم بتهمة 'تعدد الزوجات' وهو فعل مُجرّم في القانون المغربي. تزوج عبد الرشيد ثلاث نساء في خمسة أيام زواجاً شفهياً أمام شاهدين من الرجال دون أن يوقع أي ورقة زواج، وحرص على ألا يتزوج بالرابعة حتى لا يقع في حرج 'عِدّة الرجل' المتزوج بأربع في حالة عثوره على فاتنة خامسة يرغب بها.
لا تزال في أعماق عبد الرشيد بقايا تدين تمنعه من 'الزنا الصريح'، وفي داخله يشعر أن هذه الأشكال من الزواج هي زنا مبطن، لكن مشايخ 'السلفية الجامية' في السعودية رخصوا له ولغيره 'زواج المسافر'، بعد أن أعملوا في النصوص 'القص واللزق' حتى أخرجوا له رخصة تريح ضمائر من يرغبون في المتعة الجنسية مقابل المال، دون أن يقروا بين الفينة والأخرى بأنهم يرتكبون زناً مستتراً. كان عبد الرشيد يراجع الفتوى المنشورة على 'منتدى أهل الحديث' حتى يطمئن نفسه بأنه يتزوج ولا يزني.
(حسْبك َقَولُ ابنِ ِقُدامة َفي المُغْنِي :( وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ ،إلَّا أَنَ فِي نِيَّتِهِ طَلَاقَهَابَعْدَ شَهْرٍ، أَوْإذَا انْقَضَت ْحَاجَتُهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ ، فِيقَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا الْأَوْزَاعِي ّقَالَ : هُوَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَابَأْسَ بِهِ، وَلَاتَضُرُّ نِيَّتُهُ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَنْوِيَ حَبْسَ امْرَأَتِهِ وَحَسْبُهُ إنْ وَافَقَتْهُ، وَإِلَّاطَلَّقَهَا ) .
انتقى عبد الرشيد من بين النساء المعروضات عليه من يصدق عليها حدسه بأنها محترفة في 'بيع الحب' في الفراش. كانت الأولى بيضاء متوسطة الطول، شغف عبد الرشيد بثدييها المتدليين والمكتنزين؛ وعندما تعرت أمامه، لاحظ آثار لسع بأعقاب السجائر في مناطق من جسدها، لكنه لم يعلق، وهي لم تشر إليها من قريب أو بعيد.
في اليوم التالي، جلبت هي نفسها صديقتها ذات الملامح الإفريقية والجسد الأبنوسي الذي يجمع غواية الزنجيات وفتنة العربيات. تزوجها شفهياً أيضاً بحضور نادل المطعم الذي شهد على زواجه الأول وعامل الفندق الذي عرفه على العروس الأولى. بائعة الهوى الإفريقية كادت أن تقضي على عبد الرشيد في ليلة حب ليس لها مثيل؛ فلم يتوقع في حياته أن يرى امرأة خبيرة بالعشق والحياة مثلما رأى مع تلك الإفريقية. منذ اللحظة الأولى في غرفة الفندق، كشفت الإفريقية عن جسد ليس له مثيل، وبادلته العشق والإثارة.. أشعلت جنون شهوته، وكانت تمنحه قبلة ساخنة كلما شعرت أنه على وشك الإنهاك وكأنه بندقية فرغت من الطلقات فتعيد حشوها مجددا بالبارود وفي الظهيرة عندما صحوا من النوم، أخذت منه 1000 درهم ونطق بطلاقها وهو لم يفق بعدُ من أجمل حلم عاشه منذ مولده؛ فقد رأى عبد الرشيد من الإفريقية ما جعل من المرأة الثالثة، التي تزوجها لثلاثة أيام، قطعة ثلج بالرغم من بشرتها الأوروبية وعيونها الملونة!
لم ينتبه عبد الرشيد إلى أن أمواله قاربت على النفاذ إلا بعد أن نقد الأفريقية أجرها؛ فقرر أن يتوقف عن الزواج حتى يقابل 'بلمختار' في مقهى 'الطنجاوي' بزنقة 'السويقة'. لم يرَ عبد الرشيد 'بلمختار' من قبل، لكنه حادثه كثيراً عبر 'فيسبوك' وعلى هاتف الشيخ. لم يكن الشيخ يسمح لأحد بالوصول لرقم هاتف 'بلمختار'، لكنه كان يطلبه من وقت لآخر ليستفسر منه عن (أرصدة وتحويلات) لم يكن الشيخ يفصح عن تفاصيلها كثيراً، ويكتفي بإعطاء الهاتف لعبد الرشيد ليعرف طريقة التحويل وأرقام الحوالات.
رقم الحوالة الأخيرة التي أرسلها 'بلمختار' للحاج كان (4874914769)؛ كانت الحوالات تصل يومياً، وأحياناً أكثر من حوالة. اعتاد 'بلمختار' إرسال الحوالات باسم عبد الرشيد بناءً على طلب الحاج الذي كان يتعلل بانشغاله، لكن عبد الرشيد كان يعلم أن الحاج يريد تجنب الدخول في أي دائرة رصد أو اشتباه. كان 'بلمختار' يرسل الحوالات من أقرب مدينة جزائرية مجاورة للمغرب، أو يطلب من أتباع له التحويل من السودان أو السنغال أو ليبيا.
أعاد عبد الرشيد الاتصال بـ'بلمختار' مراراً بدون رد. وتلقى اتصالاً من المغربية الأولى التي تزوجها وجلبت له باقي الزوجات؛ طلبت منه في دلال أن يتصل بها، ثم أغلقت الخط.. فاتصل بها.
المغربية : فين غادي؟
عبد الرشيد : والله يا حبيبتي مش فاهم بتقولي ايه ! اتكلمي مصري أنت كنتي معايا في الفندق بتتكلمي مصري لبلب.
المغربية : ماتسكارت؟
عبد الرشيد : لا ديه فين غادي أسهل !
المغربية : رايح فيين؟
عبد الرشيد : هقابل صديق على القهوة وهرجع الفندق بالليل.
المغربية : توحشتكبزاف
عبد الرشيد : أيوة انا فاهم ديه .. انتي وحشتيني أكتر.
عرضت المغربية على عبد الرشيد عروساً جديدة من 'مراكش' موجودة في 'كازابلانكا' حتى صباح اليوم التالي؛ وعدها خيراً وأنهى المكالمة بعد أن قبّلها عبر الهاتف ثلاثاً.
استفاد عبد الرشيد من سنوات التعامل بينه وبين 'بلمختار' عبر الإنترنت والهاتف. وفي المقابلة القصيرة والوحيدة مع 'الطنجاوي'، رتب عبد الرشيد الأمور وكأن (الحاج) في إجازة؛ إذ كان من المفترض أن يرسل 'بلمختار' لعبد الرشيد في يوم 15 من الشهر تحويلاً لاستيراد كتب من مصر.
قبل ذلك، يستلم 'بلمختار' الأموال من مندوبيه في موريتانيا بحجة استيراد عبوات عصائر مغربية، وفي موريتانيا يحصل مهربو السجائر على الأموال مقابل شحن حاويات السجائر الصينية المهربة إلى 'مصراتة' في ليبيا، ومن 'مصراتة' إلى 'الكفرة'، ومن ' الكفرة ' إلى 'أسيوط' عبر مدقات في الصحراء. يحمل مهربون توانسة وسودانيون حاويات السجائر على شاحنات حتى أقرب نقطة للحدود، ثم تُحمل كراتين السجائر وكراتين أخرى تحمل ذخيرة وسلاحاً على حمير مدربة على الطريق ذهاباً وإياباً عبر المدقات الصحراوية، لينتظرها أتباع 'الحاج' في الجانب المصري.
ضحك عبد الرشيد على الحمير التي تهرب السجائر من 'مصراتة' إلى 'أسيوط'، وضحك من قلبه على مشهد رجل وفتاة في المقعد الخلفي لتاكسي؛ الفتاة تكاد تجلس في حضن الرجل والسائق يقود في طريقه بلا أدنى اهتمام. تخيل لو حدث هذا المشهد في القاهرة، فماذا سيفعل السائق؟ وحدث عبد الرشيد نفسه في التاكسي بينما كان يحاول أن يقرأ كيف يفكر 'الطنجاوي'.
تهريب السجائر
في الفندق، أعاد عبد الرشيد عدَّ رزم النقود التي حصل عليها من 'الطنجاوي'. أرسل عبد الرشيد بريداً إلكترونياً للمؤلف بكل تفاصيل لقائه مع 'الطنجاوي'، وطلب منه أن يتوقف عن الكتابة عن أيام وليالي عبد الرشيد القادمة في 'كازابلانكا'، وألا يكتب كلمة إضافية عن الفاتنة الإفريقية التي تزوجها مجددا بدون أن يسألها أو يسأل نفسه هل هي على ذمة رجل آخر في نفس الوقت. بعدها، أغلق عبد الرشيد هاتفه، وحظر حساب المؤلف على 'فيسبوك'؛ وقرر أن يفعل مثل الرومان طالما أنه في روما.