يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا }
إن الفهم السطحي الذي يقف عند ظواهر الألفاظ دون النفاذ إلى روح الشريعة وحكمة المشرع، هو الذي يصور العلاقة الزوجية في الإسلام وكأنها ساحة لتسلط الإرادة البشرية، أو حلبة يُباح فيها للرجل 'الضرب' كأصل أو رخصة مطلقة لا ضابط لها. إن هؤلاء الذين يتمسكون ببعض النصوص المبتورة عن سياقها الكلي؛ ليقرروا أن 'الرجل لا يُسأل فيما ضرب زوجته'، إنما يغفلون عن جوهر 'القوامة' في الإسلام؛ تلك القوامة التي هي رعاية وحماية وحدب، وليست استعلاءً أو قهرًا أو تفردًا بالسيادة. وعلى النقيض من ذلك، يرى البعض خطأً أن من حق الرجل ضرب زوجته [دون قيود]، بينما يؤكد الراسخون في العلم أن المقصد هو الإصلاح لا الإيذاء.
وحتى من الناحية القانونية، في بعض الأنظمة القانونية لدول إسلامية، يتمسك القضاة بأن 'الرجل لا يُسأل فيما ضرب زوجته'، وهو ما تأخذ به بعض المحاكم الشرعية في دول عربية وإسلامية قريبة منا، بحجة أن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم قد منح الرجل رخصة ضرب زوجته الناشز، وذلك في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}
ويذهب بعض الدعاة لتفسير معنى الضرب في الآية بمعنى استخدام الزوج العنف ضد زوجته، ولكن في هذا التفسير تجاهلٌ للمعنى الأصلي لكلمة (ضرب) في اللغة العربية؛ وهو معنى يستقيم مع فكرة 'نشوز الزوجة' وإعراض زوجها عنها في مقابل هذا النشوز.
ولكن.. هل يستقيم في ميزان الفطرة التي فطر الله الناس عليها، أو في نظام البناء الأسري الذي جعل الله عماده 'المودة والرحمة'، أن يكون مراد الإله هو التسلط الجسدي، أو إطلاق اليد بالضرب المادي المحض في هذه العلاقة الإنسانية السامية؟ إن الذي يتأمل بنية هذا الدين، لا يمكن أن يتصور أن 'الضرب' المقصود هو تلك الحركة الآلية الخشنة التي تفرغ شحنات الغضب أو تذل كبرياء الإنسان؛ بل إن المتدبر في السعة اللغوية لدلالات 'الضرب' في لسان العرب، يدرك أن المنهج الإلهي أرفع من أن يجعل 'الإيذاء' وسيلة للتربية.
ففي اللغة العربية القديمة، لا يمكن التعامل مع الألفاظ بوصفها مترادفاتٍ مطلقة؛ لأن كل كلمة كانت تحمل وزنًا دلاليًا دقيقًا يعبر عن درجة الفعل، وطبيعته، وسياقه الاجتماعي والأخلاقي. ومن هنا، فإن العودة إلى استعمالات العرب الأوائل تكشف بوضوح أن كلمة 'لطم' كانت هي اللفظ الأكثر تداولًا للدلالة على العقاب الجسدي غير القاتل وغير الإيذائي الشديد، بخلاف كلمة 'ضرب' التي ارتبطت بمعانٍ أوسع وأقسى، ولم تكن هي اللفظ الأصلي الشائع للتأديب.
وتجمع المعاجم العربية القديمة على أن 'اللطم' هو الضرب الخفيف غالبًا على الوجه أو الصدر بالكف، وليس بالسلاح أو الأداة؛ فقد جاء في (لسان العرب) لابن منظور: 'اللَّطْمُ: الضرب بالكفّ، وقد يكون على الوجه أو الصدر'. أما 'الضرب'، فقد جاءت دلالته بمعنى المفارقة، مثل: (ضرب في الأرض ) .
وفي العربية الكلاسيكية، لم تكن كلمة 'ضرب' مقصورة على معنى الإيذاء الجسدي، بل استُخدمت في سياقات متعددة لا تمتّ إلى العنف بصلة؛ ومن أبرز هذه الاستعمالات دلالتها على المفارقة والانفصال والابتعاد، سواء كان ذلك على المستوى الحسي أو المعنوي، وهو ما تؤكده نصوص القرآن واللغة والأدب العربي القديم.
وحتى في الاستعمال القرآني، تتجلى هذه الدلالة بوضوح؛ فقوله تعالى }فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا { لا يعني إيقاع فعل جسدي، بل يدل على العزل التام عن السمع والوعي، أي إحداث قطيعة كاملة مع العالم الخارجي. وكذلك في قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا}، حيث يُفهم الضرب هنا بوصفه فصلًا لمعنى عن آخر وصياغته في صورة مستقلة يُقاس عليها، بما ينطوي عليه ذلك من مفارقة ذهنية بين المثال والواقع. أما قوله : } وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ { فيحمل معنى مفارقة المكان والارتحال عنه، لا أكثر.
وفي اللغة والأدب العربي، يتكرر هذا المعنى بعيداً عن أي إيحاء بالعنف؛ فقولهم: 'ضرب القوم في الصحراء' يعني تفرّقهم وارتحالهم عن مواضعهم الأولى. ويقال: 'ضرب عنه صفحاً' للدلالة على الإعراض والابتعاد وترك الأمر خلف الظهر. كما أن عبارة 'ضرب بين القوم بسور' تفيد الفصل بينهم وإقامة حاجز واضح، في حين أن 'ضرب الخيام' تعني نصبها لتشكيل حيّز منفصل عن المحيط. وحتى في الاستعمال المجازي، مثل قولهم 'ضرب البحرُ الساحلَ'، فالمقصود هو تكوين حدّ فاصل بين اليابسة والماء، لا مجرد اصطدام عنيف.
وتتأكد هذه الدلالة أيضًا في الاستعمالات التحليلية والاصطلاحية، مثل قولهم: 'ضرب الموعد' أي تحديد زمن يفصل بين مرحلتين، أو 'ضرب الحصار' أي عزل مكانٍ ما عن محيطه وفصل الداخل عن الخارج. إن كلمة «ضرب» في هذه الأمثلة لا تفيد الاعتداء أو الإيذاء، بل تدور معانيها حول الفصل، والمفارقة، والقطع، والانتقال من حال إلى حال؛ وهذا يبيّن أن الجذر اللغوي لكلمة (ضرب) في العربية واسع الدلالة، وجوهره إحداث مسافة أو حدّ فاصل، ماديًا كان أو معنويًا، لا العنف كما شاع في الاستعمال الحديث.
السعة اللغوية لدلالات "الضرب" في لسان العرب
إن كان الضرب في لغة العرب يأتي بمعنى 'الإعراض' و'المفارقة'، ويأتي 'المُضرب' بمعنى المقيم في بيته المعتكف فيه، فإن السياق القرآني يميل إلى 'التنبيه النفسي' الذي يهز الوجدان ليُعيد بناء الجسور المتهدمة، لا ليحطم الهيكل البشري أو يهدر كرامة المرأة التي كرمها الله.إن الله سبحانه حين شرع هذه الخطوات لعلاج 'النشوز'، لم يمنح الرجل سوطاً يجلد به رفيقة دربه، بل منحه 'رخصة اضطرار' أخيرة، محفوفة بضوابط التقوى، ومسيجة بروح الرفق؛ ليكون هذا الإجراء أشبه بحركة استنكار وجدانية أو إعراض تربوي يقصد به استنقاذ السفينة من الغرق، لا إذلال النفس التي جعلها الله 'سكناً' للرجل، وجعل الرجل لها 'سكناً'. فأي ضرب هذا الذي يستقيم مع قول الله: } وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف {؟ إنها وقفة بين يدي الله، يُسأل فيها الرجل عن كل نبضة ألم أحدثها في قلب 'أسيرة' هي في ميزان الله إنسان كامل الإنسانية، لا يملك الرجل عليها حق القهر ولا سلطان الأذى.
إن المنهج الرباني لا يُفهم بمعزل عن 'النموذج التطبيقي' الذي جسده رسول الله ﷺ في حياته؛ فالسيرة النبوية هي الترجمة الحية والحقيقية لمرادات الوحي، وهي الميزان الذي نزن به فهمنا للنصوص. وعندما نقف أمام آية 'النساء' ونقرأ معها سيرة المصطفى ﷺ، نجد اتساقاً مذهلاً يرفض القهر والعدوان الجسدي؛ فالسيدة عائشة -رضي الله عنها- وهي ألصق الناس بحياته الخاصة، تضع القاعدة الذهبية حين تقول: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، ولا امرأةً، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله.
المنهج الرباني أسمى من أن ينزل بكرامة المرأة إلى هذا الدرك
إن هذا 'النفي المطلق' للضرب في حياته ﷺ -رغم ما قد يعتري البيوت البشرية من خلافات، وقد وقعت في بيوته ﷺ أزمات بلغت حد 'الإيلاء' واعتزال نسائه شهراً- يبرهن على أن 'الضرب' المذكور في القرآن ليس هو تلك الصورة الذهنية العنيفة التي استقرت في عقول البعض. لقد كان ﷺ يغضب، ويُعرض، ويَهجر، ويَعظ، ولكنه لم يمد يده قط ليؤلم جسداً جعله الله مستودعاً للمودة.إن فعله ﷺ هو 'التفسير العملي' الذي قيد 'الرخصة' وحصرها في دائرة التنبيه الرمزي الذي لا ألم فيه؛ بل إنه ﷺ صرّح بلسانه استنكاراً وتقبيحاً لهذا الفعل حين قال: «أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب الفحلَ، ثم لعله يعانقها في آخر يومه؟».
إن المنهج الرباني أسمى من أن ينزل بكرامة المرأة إلى هذا الدرك؛ فالرجل في البيت المسلم ليس جلاداً يمارس سلطة مطلقة، بل هو 'راعٍ' مستخلف، يسأله الله قبل أن يسأله الناس عن كل قطرة ألم تسبب فيها بغير حق. فليتقِ الله هؤلاء الذين يشوهون جمال التشريع بجهلهم، وليعلموا أن الإسلام لم يأتِ ليعطي الرجل سوطاً، بل جاء ليعطيه قلباً يتقي الله في 'أسيرة' هي شريكة حياته وريحانة بيته، وأن أي سلوك يخرج عن حدود 'المعروف' هو خروج عن المنهج القرآني ذاته، ومحاسبٌ عليه العبد في ميزان العدل الإلهي قبل موازين البشر.
الضرب بمعنى المفارقة والارتحال والابتعاد والانفصال
وعلى ذلك، فإن المتدبر في لغة العرب القدامى وقت نزول الوحي يدرك أن كلمة 'ضرب' لم تكن في حسهم اللغوي حبيسة ذلك المعنى الضيق الذي يحصره المعاصرون في استخدام العنف الجسدي أو الصفع والركل؛ بل كانت الكلمة تسبح في فضاء واسع من المعاني التي تدور في جوهرها حول 'المفارقة' و'الابتعاد' و 'الانفصال' .إن القرآن الكريم نفسه لم يستعمل هذا اللفظ في مواضعه المختلفة ليدل على الأذى الجسدي المبتذل، بل استعمله ليعبر عن حركة السعي والارتحال، كما في قوله تعالى: {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ}؛ فالضرب هنا هو 'ضرب المسافات' بالمفارقة والابتعاد لطلب الرزق. وحتى في أكثر المواضع حِدّة، كقوله تعالى: {فَضَرْبَ الرِّقَابِ}، فإن المعنى ينصرف إلى 'الفصل' و'الإبانة'، أي مفارقة العنق للجسد، وهو تعبير عسكري يقصد به حسم المعركة لا التعذيب أو الإيذاء بالمعنى السادي للضرب.
إن هذا الفهم هو الذي يستقيم تماماً مع 'المنطق التربوي' المتدرج في آية النشوز؛ فالسياق الرباني يرسم خطوات مدروسة لترميم بناء الأسرة: يبدأ بالوعظ (اتصال بالكلمة)، ثم الهجر في المضجع (انفصال جزئي داخل البيت)، ثم يأتي 'الضرب' كتتويج لهذا التدرج ليعني 'المفارقة' أو 'الابتعاد' أو 'الاعتزال' الذي يُحدث هزة نفسية كبرى لدى الزوجة الناشز؛ حين تشعر أن التمرد قد أدى إلى انفصال كامل في التعامل وإعراض تام من الزوج. إن لسان العرب يؤيد هذا المنحى بقوة؛ فالمعاني تدور حول الإعراض والتجاهل، بل إن 'المُضْرِب' هو المقيم في بيته الذي كفّ عن التواصل وانزوى في ركنه، مما يجعل 'الضرب' هنا إعلاناً عن المفارقة الوجدانية والمكانية المؤقتة، لا استخداماً ليدٍ أو عصا.
وعليه، فإن سياق 'ضرب أكباد الإبل' الذي نطق به العرب لم يكن يعني يوماً إيلام تلك الدواب، بل كان يعني مفارقة المكان والارتحال السريع عنه. ومن هنا ينجلي الغبار عن الفهم المشوه الذي طرأ على الكلمة في عصور التراجع الفكري؛ فالإله الذي جعل المودة والرحمة أصلاً للبيوت، لم يكن ليشرع أفعالاً تكسر الكرامة وتناقض روح السكن. إن 'الضرب' في لغة الوحي هو 'ضربٌ من الإعراض' و'ضربٌ من المفارقة'، يقصد به استنقاذ النفس والبيت من الهلاك، بأسلوب يربأ بالرجل المسلم أن يكون جلاداً، ويحفظ للمرأة مكانتها كشريكةٍ يُفتقد قربها حين تُعرض عنها القلوب، فتراجع نفسها وتعود إلى كنف المودة والسكينة.
السعة اللغوية في الصور القرآنية حول الجذر اللغوي لكلمة ضرب
إن المتدبر في سعة هذه اللغة العربية التي اختارها الله وعاءً لوحيه الأخير، يدرك أن جذر 'ضرب' ليس مجرد حركة آلية صماء، بل هو كائن لغوي حي يتشكل معناه بروح السياق وظلاله. فها هو القرآن الكريم يستعمله تارة في معنى 'الإعراض والترك'، كما في قوله تعالى : }أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا {؛ حيث الضرب هنا هو الانصراف بالرسالة عمن أعرضوا عنها، وهو نوع من 'المفارقة النفسية' والترك الواعي.وتارة أخرى يتألق اللفظ في دلالة 'السعي والانتشار' في ملكوت الله، حين تضرب الأقدام في مناكب الأرض طلباً لرزق أو خوضاً في جهاد؛ فتصبح كلمة 'الضرب' هنا مرادفاً للحركة المنطلقة لا للحركة المصطدمة. بل إن اللغة لتمضي إلى أبعد من ذلك حين تجعل 'الإضراب' مكثاً وإقامة، فيُقال لمن لزم بيته: 'مُضْرِب'، وكأن الضرب هنا هو ضرب الجذور في الأرض قراراً وطمأنينة، لا ضرب السياط إيلاماً ووحشية.
ومن هنا، فإن العقل الإيماني المتفتح لا يجد غضاضة في استصحاب هذه السعة اللغوية عند النظر في آية 'النساء'؛ فثمة انسجام مذهل حين نؤول 'الضرب' في سياق علاج النشوز بأنه 'الإعراض' أو 'المفارقة' أو 'الإضراب' عن التواصل الحميمي. إنها الخطوة التي تتوج تسلسل العلاج التربوي؛ فبعد الوعظ بالكلمة، والهجر في المضجع، يأتي هذا 'الإضراب' أو 'الإعراض التام' ليكون هزة عنيفة لوجدان المرأة، تُشعرها بحجم الجفوة التي صنعها تمردها، وتحفزها لمراجعة نفسها قبل فوات الأوان. إن هذا الفهم هو الذي يستقيم مع روح المنهج القرآني الذي يبني ولا يهدم، ويؤلف ولا ينفر، ويجعل من 'المعروف' إطاراً حاكماً لكل حركة داخل صرح الأسرة المسلمة.