لم تعد معركة مصر في الجنوب مجرد خلاف حول سد أو مفاوضات مياه، أو بيانات دبلوماسية متبادلة بين القاهرة وأديس أبابا، فما يحدث الآن أكبر من ذلك بكثير.
القرن الإفريقي يتحول تدريجيًا إلى واحدة من أخطر ساحات الصراع الجيوسياسي في المنطقة، بينما تتحرك مصر بهدوء لإعادة رسم خرائط النفوذ حول البحر الأحمر، في مواجهة مشروع إثيوبي لا يخفي طموحه على أحد، أملًا في الوصول إلى المياه الدافئة، وفرض أديس أبابا نفسها كقوة إقليمية جديدة في شرق إفريقيا.
التصريحات الأخيرة الصادرة عن الخارجية الإثيوبية لم تكن عابرة، حين تحدثت صراحة عن حقها في الوصول إلى البحر الأحمر، كما أن رؤيتها التي تعتبر استمرار كونها دولة حبيسة أمرًا غير مقبول، ليست مجرد كلمات دبلوماسية، وإنما إعلان سياسي واضح بأنها ترى الجغرافيا الحالية والطبيعية لم تعد تناسب طموحاتها المستقبلية.
ولهذا تتحرك الدولة المصرية الآن في أكثر من اتجاه، وبأكثر من أداة.
فمصر التي أدركت مبكرًا أن معركة الأمن المائي لا تُحسم فقط داخل غرف التفاوض، بدأت تبني شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات في محيط القرن الإفريقي والبحر الأحمر، في محاولة لتأمين المجال الحيوي المصري، ومنع أي اختلال استراتيجي قد يهدد توازن المنطقة.
التحركات المصرية الأخيرة في إريتريا، وجيبوتي، والصومال، وحتى في عمق القارة الإفريقية، ليست تحركات بروتوكولية أو اقتصادية فقط، كما يظن البعض.
بل تبدو أقرب إلى إعادة تموضع استراتيجي طويل المدى.
وإذا كانت التحركات المصرية الحالية في القرن الإفريقي تبدو للبعض مجرد تحركات دبلوماسية أو اقتصادية متفرقة، فإن القراءة الأعمق تكشف عن تحول مهم في عقيدة الأمن القومي المصري خلال السنوات الأخيرة.
فلم تعد القاهرة تتعامل مع مفهوم الأمن القومي باعتباره مجرد “حماية للحدود الجغرافية” داخل نطاق الدولة، بل اتجهت تدريجيًا نحو مفهوم أوسع يقوم على “تأمين المجال الحيوي المصري” خارج الحدود التقليدية.
هذا التحول ظهر بوضوح في طريقة تعامل الدولة مع الملفات الإقليمية المختلفة، سواء في ليبيا غربًا، أو البحر الأحمر والقرن الإفريقي جنوبًا وشرقًا.
الرسالة المصرية أصبحت واضحة ، أن الخطر لا يُواجه فقط عندما يصل إلى الحدود، بل يجب التعامل معه قبل أن يقترب منها أصلًا، وأن الحرب قد لا تكون عسكرية بل امتداد مدروس للنفوذ والوجود على الأرض.
ولهذا لم يعد النظر إلى البحر الأحمر باعتباره مجرد ممر ملاحي أو نطاق تجاري، بل باعتباره امتدادًا مباشرًا للأمن القومي المصري، خاصة مع تصاعد التنافس الدولي والإقليمي على الموانئ والممرات البحرية في المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم الزيارات والتحركات المصرية الأخيرة، مثل: زيارة الفريق كامل الوزير إلى إريتريا، والتي حملت أبعادًا تتجاوز ملف النقل أو التعاون البحري التقليدي.
فالحديث عن اتفاقيات للنقل البحري والتكامل اللوجستي مع دولة مطلة على البحر الأحمر، في توقيت تشهد فيه المنطقة صراعًا متصاعدًا على النفوذ والموانئ، يعكس إدراكًا مصريًا متزايدًا بأن معركة المستقبل في المنطقة لن تكون فقط بالسلاح، بل أيضًا بالموانئ، وخطوط التجارة، وشبكات النفوذ البحري.
كما أن تعزيز العلاقات مع إريتريا وجيبوتي والصومال، لا يبدو منفصلًا عن القلق المصري من محاولات إثيوبيا المستمرة، للبحث عن منفذ بحري دائم، أو من التحركات الدولية المتزايدة في محيط باب المندب والقرن الإفريقي.
ومن هذا المنطلق، يرى عدد من الخبراء العسكريين والاستراتيجيين، من بينهم اللواء سمير فرج، أن القاهرة لم تعد تنظر إلى أزمة سد النهضة باعتبارها مجرد خلاف تفاوضي محدود، وإنما كجزء من صراع أوسع يتعلق بتوازنات النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي ، وأن قضية السد ربما تخفى خلفها خطراً أعمق .
ويؤكد فرج، في أكثر من مناسبة، أن مفهوم الأمن القومي المائي أصبح يرتبط بصورة مباشرة بالأمن السياسي والعسكري للدولة المصرية، خاصة مع التحركات الإثيوبية المتسارعة ومحاولات أديس أبابا توسيع نفوذها الإقليمي والبحث عن منفذ بحري دائم على البحر الأحمر
وهنا تحديدًا، تبدو القاهرة وكأنها تعيد رسم دوائر أمنها القومي وفق معادلة جديدة:
حماية مصر تبدأ من خارج حدودها
ففي عالم تتداخل فيه الجغرافيا بالاقتصاد، والموانئ بالنفوذ، لم يعد ممكنًا فصل الأمن المائي عن الأمن البحري، أو فصل استقرار الداخل المصري عن التوازنات الإقليمية المحيطة به.
ولهذا تتحرك مصر اليوم في إفريقيا بعقلية الدولة التي لا تريد فقط الدفاع عن نفسها…
بل منع تشكل التهديد من الأساس.
فمصر تعرف جيدًا أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل أصبح شريانًا للصراع الدولي والإقليمي.
فالأمريكيون يتحركون هناك.
والإسرائيليون حاضرون.
كما أن الأتراك يتمددون.
والإيرانيون يقتربون.
والإثيوبيون يبحثون عن منفذ دائم على المياه.
وفي قلب كل ذلك، تحاول القاهرة ألا تجد نفسها محاصرة جنوبًا وشرقًا في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
من هنا يمكن فهم الاتفاقيات البحرية مع إريتريا، والتقارب المتزايد مع جيبوتي، والانفتاح المصري على الصومال، والتحركات الاقتصادية والأمنية التي بدأت القاهرة تنسجها داخل القارة الإفريقية.
حتى ملف الموانئ لم يعد اقتصاديًا فقط.
بل أصبح جزءًا من معركة النفوذ والسيطرة على خطوط التجارة والطاقة والممرات البحرية.
الأخطر من ذلك، أن الاعتراف الإسرائيلي المتزايد بالتعامل مع “صوماليلاند” يفتح أبواب قلق جديدة في المنطقة، خاصة مع حساسية الموقع المطل على باب المندب وخليج عدن، وهي مناطق تمثل شريانًا مباشرًا للأمن القومي المصري وقناة السويس.
فمصر تدرك أن أي وجود معادٍ أو غير منضبط في تلك المنطقة، قد يتحول مستقبلًا إلى ورقة ضغط خطيرة على مصر، ليس فقط اقتصاديًا، بل مائيًا وأمنيًا أيضًا.
ولهذا لم تعد الدولة المصرية تتحرك بعقلية “رد الفعل” فقط، بل بعقلية بناء الطوق الاستراتيجي حول مصالحها الحيوية.
وربما لهذا السبب تبدو التحركات المصرية في إفريقيا هادئة أو اقتصادية في ظاهرها…
لكنها عميقه في معناها.
فالدول لا تنتظر الخطر حتى يصل إلى أبوابها.
الدول القوية تحاول دائمًا إبعاده قبل أن يقترب.
وفي منطقة تتغير خرائطها بسرعة، يبدو أن القاهرة اختارت أن تخوض معركة النفوذ مبكرًا…
قبل أن تجد نفسها يومًا ما خارج اللعبة.