تتصاعد حدة التوتر داخل أروقة صناعة القرار العالمي، مع اقتراب الساعات الحاسمة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كمهلة نهائية لإيران، حيث انتقلت لغة التهديد من الأطر العسكرية التقليدية إلى مربع الإبادة الحضارية الشاملة.
تصريح ترامب المزلزل ـ عبر منصته تروث سوشيال ـ الذي حذر فيه من أن حضارة كاملة قد تموت الليلة ولا تعود أبدًا، أثار موجة من الذعر، والتحليلات العسكرية التي رأت في هذه العبارة شفرة سياسية تمهد لاستخدام أسلحة استراتيجية غير تقليدية.
إن الحديث عن محو حضارة، وفي إطار زمني ضيق كليلة واحدة، لا يمكن تفسيره عسكريًا إلا باللجوء إلى القوة النووية التكتيكية، أو استهداف شامل وممنهج لمقومات الحياة، والبنية التحتية التاريخية، وهو ما يضع العالم أمام احتمال حقيقي لكسر المحرمات الدولية التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ويربط المراقبون بين هذا التهديد الوجودي، وحملة التطهير الواسعة التي طالت جنرالات البنتاجون، وفي مقدمتهم رئيس الأركان نفسه، الجنرال راندي جورج، وقادة الأركان المشتركة، إذ يُعتقد أن هذه الإقالات الجماعية لم تكن مجرد إجراءات إدارية، بل هي عملية إخلاء للساحة من أي قيادات عسكرية قد تعترض بوازع مهني، أو قانوني، على أوامر رئاسية بشن ضربات نووية أو تدميرية واسعة النطاق.
استبدال الجنرالات الذين عُرفوا بتمسكهم بقواعد الاشتباك التقليدية، والتحذير من مغبة جرائم الحرب، بآخرين أكثر ولاءً وتنفيذًا لرؤية ترامب الصدامية، يعزز الفرضية القائلة إن واشنطن أزاحت جميع العقبات الداخلية التي قد تحول دون تنفيذ الخيار النووي، أو القصف السجادي الذي يستهدف محو هوية الدولة الإيرانية، ومقدراتها في لمح البصر.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن العالم يواجه الآن سيناريو يوم القيامة، حيث لم تعد القواعد القديمة للردع صالحة للاستخدام، فالتلويح بموت حضارة كاملة الليلة يضع طهران أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانصياع الكامل للشروط الأمريكية المُذِلَّة بفتح مضيق هرمز تحت الرقابة المباشرة، ومشاركة ثرواتها البترولية طواعية، والسماح للمتغطرس الأمريكي بالاستيلاء على اليورانيوم، أو مواجهة آلة عسكرية تم تجريدها من كوابحها البيروقراطية والعسكرية في البنتاجون، وأصبحت جاهزة لضغط الزر الذي قد يغير خريطة الشرق الأوسط وتاريخ البشرية إلى الأبد.
ومع تسارع دقات الساعة نحو الموعد النهائي، يبدو أن استقالة وإقالة الجنرالات كانت هي صفارة الإنذار الحقيقية، بأن ما هو قادم ليس مجرد مناوشة عسكرية، بل زلزال وجودي قد لا تشرق شمس الغد إلا وقد تغير معه وجه العالم كما نعرفه.
ويتزامن هذا التصعيد الميداني مع زلزال تنظيمي ضرب أروقة البنتاجون، حيث أقدمت الإدارة الأمريكية على حملة إقالات واستقالات قسرية شملت أعلى الرتب العسكرية، في توقيت وصف بالحرِج تاريخيًا، وكان أبرز ضحايا هذه الحملة الجنرال راندي جورج، رئيس أركان الجيش الأمريكي، الذي أُجبر على مغادرة منصبه بقرار مفاجئ من وزير الدفاع، بيت هيجسيث، لينضم إلى قائمة طويلة شملت رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق سي كيو براون، وقادة آخرين في القوات البحرية والجوية، ما يشير إلى رغبة البيت الأبيض في إعادة تشكيل القيادة العسكرية لتكون أكثر انسجامًا مع استراتيجية الحسم السريع التي يتبناها ترامب.
ويرى محللون سياسيون وعسكريون أن سر هذه الإطاحة الجماعية بالجنرالات يكمن في سعي الإدارة الأمريكية للتخلص من أي أصوات قد تبدي تحفظًا على الخيارات العسكرية القاسية، أو تثير مخاوف قانونية تتعلق بجرائم الحرب عند استهداف المواقع الحضارية والمدنية.
إن استبدال هؤلاء القادة بوجوه جديدة تتسم بالولاء المطلق للرؤية الرئاسية يمهد الطريق لتنفيذ سيناريوهات عسكرية غير تقليدية، وقد تكون مهدِّدة للقيم الإنسانية، ما يضع المنطقة فعليًا فوق فوهة بركان، وينقل الصراع من مرحلة الضغط الأقصى إلى المواجهة الشاملة، التي قد تغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد.