ads
ads

مذكرات أب عاطل عن العمل ( 2 ): يومياتي بين عالمين .. بسطاء السبتية وصفوة الأحزاب الزائفة

محمد مختار
محمد مختار

في الحياة فترات تشبه الأبواب الدوارة؛ كلما ظننت أنك تعبر إلى المتسع، وجدت نفسك تعود إلى النقطة ذاتها التي تضيق عليك. في تلك الليالي الطوال، لم أكن في حوار مع اليأس، بل كنت في مناجاة صامتة ، وفي لحظة بلغت فيها الحيرة ذروتها، وجدتني أطلق صرخة مدوية وأنا أسير في الطريق، صرخة لفتت أنظار المارة لي، لم تكن الصرخة بطبيعة الحال "بيان احتجاج" ضد القدر، ولا ممارسة للمراهقة الفكرية في الاعتراض على تصاريف الزمن؛ بل كانت ببساطة أداة فيزيائية بحتة، أشبه بـ "صمام الأمان" في غلايات البخار، انفتح فجأة لتفريغ شحنة زائدة من الطاقة السلبية قبل أن تتكفل بإشعال الحريق في الداخل. كانت صرخة موجهة بالأساس ضد قرين خفي يحاول أن يدفعني إلى ما بعد حافة اليأس

.كان علي أن أدرك أني في ذلك الوقت ادفع فاتورة معركة خاسرة لم اكن طرفا فيها ولا رغبت في خوضها هيى المعركة بين «مبارك» الرئيس القوي الذي يملك كل شئ وبين الدكتور سعد الدين إبراهيم العالم والمفكر الذي لم يكن يملك إلا قلمه وفكره ؛ فالجميع يرفض أن يمنح فرصة عمل لصحفي أو باحث نجا للتو من قضية بحجم محاكمة الدكتور سعد الدين إبراهيم. كان الدكتور سعد الدين، بقامته العلمية الدولية وعلاقاته العابرة للقارات، يقف شامخاً في مواجهة نظام مبارك، محمياً ببريق اسمه وثقل مركزه. أما أنا، فكنتُ مجرد "تِرس" صغير طحنته المطبعة ولم يلتفت إليه أحد. في تلك الأيام، صار اسمي في أروقة المؤسسات مرادفاً لـ "المتاعب"،. لم يبقَ أمامي إلا باب واحد كان عليّ أن أطرقه بقوة، باب لا يحتاج إلى "موافقة أمنية" ولا "تزكية" من الكبار.. هو باب السماء.

وبقدر ما تجاهلت محنتي تلك النخبة المثقفة التي ملأت الدنيا صراخاً عن حقوق الإنسان، وتنكرت لي دوائر معارفي من "الرفاق" والأصدقاء الذين تبخروا كالدخان، بقدر ما لامس شغاف قلبي عفوية وشهامة البسطاء. هؤلاء الذين لا يقرؤون مانشيتات الصحف، لكنهم يقرؤون ملامح الوجوه بدقة مذهلة. بمجرد أن شعروا أني في محنة، تداعى بعضهم لنجدتي، والمفارقة أن بعض هؤلاء البسطاء لم أكن أعرفهم على الإطلاق! لكن مودتهم الفطرية فتحت لي طاقات من الأمل في أشد الأوقات قتامة.

من بين هؤلاء الذين حفر الزمن أسماءهم في ذاكرتي، رجلٌ يدعى «أشرف النوري». وهو من اسمه، يحمل حكاية تليق برواية تروي. كان في غابر أيامه لصاً تائباً، وهو نفسه من حكى لي بفخر واعتزاز حكاية اسمه وحكاية توبته. كان في شبابه يسرق قضبان السكك الحديدية بمهارة فائقة، حتى اكتسب لقب "النوري" (نسبة إلى الغجر والمهارة في التخفي)، وسجلته مباحث السكة الحديد ضمن "الخطرين" على حركة مواصلات الدولة. لكن الرجل تاب وحسُنت توبته، وتحولت تلك المهارة في التعامل مع الحديد إلى تجارة مشروعة، فأصبح من كبار تجار الحديد والخردة في منطقة "السبتية".

عرفت اشرف النوري عندما لجأتُ إلى السبتية يوماً، حاملاً تحت إبطي بعض بقايا "الخردة" المنزلية لأعرضها للبيع، لعلي أعود بثمن عشاء لاسرتي. تفحصني "النوري" بنظرته الثاقبة التي خبرت المعادن والرجال؛ أحس الرجل بكرامتي المجروحة وأزمتي العميقة دون أن أنطق بكلمة. وبشهامة "ولاد البلد" الفطرية، استلم مني بضاعتي البسيطة، ونقدني مبلغاً يعادل أضعاف ثمنها الحقيقي في السوق.

في ذلك الوقت، كان امتلاك هاتف محمول قاصراً على رجال الأعمال ووجهاء المجتمع والأثرياء، لكن "أشرف النوري" كان يملكه كأداة شغل. أخرج هاتفه، وأعطاني رقمه، وألحّ عليّ بعناد غريب أن أتصل به في أي وقت وأي ظرف. ولم يتركتي أغادر السبتية بعد أن دفع لي ذلك المبلغ الزائد، إلا بعد أن أصر بشكل قاطع أن أتناول معه غداءً فاخراً.

لمحت في عينيه شهامة حقيقية لا زيف فيها، وشكرت له دعوته الكريمة. ولكن، عندما جاء صبيانه بالغداء، تسمرتُ في مكاني.. لم يكن التسمر بسبب جوعي أو رغبتي في الطعام، بل لأنني رأيت مشهداً هزّني من الداخل: كان الرجل قد اشترى الغداء لكل العاملين معه في المخزن والورشة، وافترشوا جميعاً الأرض يأكلون معاً من صنف واحد، لا فرق بين صاحب عمل يملك الآلاف، وبين عامل بسيط يمسح عرق جبينه بيده. هناك، على تراب السبتية، رأيت عدالة اجتماعية لم أجدها في صالونات السياسيين ممن يحتاجون بحقوق الانسان والذين يدفعهم الكبر والغرور لتفادي تناول الطعام أو حتى الصلاة في صف واحد مع من يعملون لديهم.

غادرتُ السبتية في ذلك اليوم وفي جيبي قليل من المال والكثير من الكرامة المستردة. ولا أعرف، ألحسن الحظ أم لسوئه، غادرتُ بعد ذلك بقليل عالم البسطاء الأنقياء، لتتلقفني يد رئيس حزب من تلك الأحزاب "الكرتونية" التي تفنّن عصر مبارك في تفريخها لزوم الديكور الديمقراطي. برع هذا الرجل في استغلال أزمتي المالية والمهنية بدناءة شديدة، ليجعلني أقبل عرضاً يمثّل قمة "السخرية المريرة": أن أكتب له أربعة كتب كاملة في السياسة والفكر، ليضع هو اسمه عليها كمؤلف ومفكر سياسي عبقري! كانت بالنسبة لي فرصة طيبة في ذلك الوقت لأكسب بعض المال لأسد رمق أسرتي، وفي نفس الوقت، كانت "تذكرة مجانية" لاستكشاف حقيقة تلك الأحزاب الزائفة في عصر مبارك، والتعرف عن قرب على زعمائها المحتالين.

فرئيس هذا الحزب الذي أسسه مستعيرًا اسم أحد أكبر الأحزاب السياسية العريقة في بريطانيا، لم يكن يرى في السياسة إلا "مشروعا للثراء"، واعتبر الحزب مشروعه التجاري الأول للاستثمار والتربح. ومن سخرية القدر، أنني كنتُ من بين المؤسسين لهذا الحزب؛ حيث دفع لي مقابل مساهمتي مبلغ 65 جنيهاً كـ "زيادة" فوق تكاليف استخراج توكيل مؤسسين باسمي للحزب، وكان هذا المبلغ في هذه الأيام يكفي طعام أسرتي لأسبوع كامل

للقارئ أن يتخيل، في مشهد سريالي بامتياز، ملامح "النخبة" التي تصدّرت كشوف الهيئة التأسيسية لهذا الحزب العتيد. لم تكن الأسماء تضم قامات فكرية أو رموزاً سياسية، بل جاءت التشكيلة ممثلة لشرائح اجتماعية بالغة الطرافة؛ فبين "مسجل خطر" في جرائم النفس، والسائق الخاص لسيادة رئيس الحزب، وطائفة من باعة الصحف الذين كانت مهنتهم وقتها تجارة رائجة تدر ربحاً وفيراً من وراء توزيع الصحف الورقية. إنها خلطة عبقرية جمعت بين الضحايا والمنتفعين في توليفة واحدة، وُلدت من رحم التدليس السياسي؛ لتدور الأيام دورتها، ويتحول هذا الكيان الهش ذاته—بقدرة قادر—إلى واجهة رئيسية لمنصات المعارضة، وواجهة ما تسمى بأحزاب الحركة المدنية في مصر

استغل هذا الشخص علاقة مشبوهة بوزير نافذ في ذلك الوقت، ونجح بفضل هذا الوزير في الحصول على رخصة الحزب الرسمية. وبمجرد أن صدرت الرخصة، تعامل معها كقطعة أرض أو عقار للبيع، بدأ في عرض الحزب للبيع في سوق السياسة كما يُباع المتاع المستعمل، بعد أن أخفى بحرص شديد كل أثر لأوراق ومستندات التأسيس الأصلية حتى لا ينازعه أحد في "الملكية".

وكان أن فاز بالصفقة رجل أعمال طموح، اشتهر بعد سنوات طويلة باحتضانه لما يُسمى "الحركة المدنية". دفع رجل الأعمال هذا مبلغ 3 ملايين جنيه— لمؤسس الحزب وكان مبلغاً كبيرا في ذلك الوقت ، مقابل أن يعينه الأخير في "الهيئة العليا" للحزب. وبالطبع، كانت هيئة وهمية حبراً على ورق لم تنعقد يوماً واحداً. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جرت هندسة "جمعية عمومية وهمية" تم تزويرها بالكامل، لتصعيد رجل الأعمال المذكور وإجلاسه على مقعد رئيس الحزب الجديد!

وكانت الأقدار تخبئ لي تغريبة خارج الوطن ، وهى التغريبة التي سبقتها هذه الفترة التي كشفت لي زيف عالم الأحزاب في مصر ، فكنا نكتب نحن بدمائنا وعرقنا الكتب والأفكار ليشتريها سماسرة الأحزاب، بينما يقف "النخبة" يتفرجون على بيع الوطن بالقطعة، في حين تظل ذكريات "أشرف النوري" وغداء السبتية وعالمها البرئ الذي لم يتلوث بالسياسة هي الحقيقة الوحيدة النظيفة وسط هذا الوحل.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً