'هذه المظاهرات هي فتنه وبناءً على أمر القرآن، سنستمر في القتل حتى تنتهي الفتنة'، أعادت تصريحات صادرة عن شخصيات مقربة من الحرس الثوري الإيراني الجدل حول الدور الذي لعبته قوات الباسيج في قمع الاحتجاجات الشعبية داخل إيران، وسط اتهامات متجددة باستخدام العنف المفرط والقتل بحق متظاهرين، وبينما تصرّ السلطات الإيرانية على توصيف الاحتجاجات باعتبارها 'فتنة' مدفوعة من الخارج، تكشف الوقائع الميدانية وتقارير حقوقية دولية عن كلفة بشرية باهظة دفعتها الشوارع الإيرانية خلال موجات الاحتجاج المتعاقبة.
من هم الباسيج؟
تُعد قوات الباسيج إحدى الأذرع شبه العسكرية للحرس الثوري الإيراني، وتلعب دورًا محوريًا في ضبط الشارع وقمع الاضطرابات الداخلية، ووفق تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، شاركت هذه القوات في عمليات إطلاق نار على متظاهرين، واعتقالات جماعية، واستخدام القوة المفرطة، بما في ذلك الذخيرة الحية في بعض المناطق، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى والمعتقلين.
وفي هذا السياق، أثارت تصريحات حسن عباسي، أحد أبرز الشخصيات المقربة من الحرس الثوري، جدلًا واسعًا داخل إيران وخارجها، وعباسي، الذي يرأس مركزًا يُعرف بـ'مركز الدراسات العقائدية للأمن القومي'، ويُلقّب إعلاميًا بـ'كيسنجر الإسلام'، يُعد من أهم منظري الخطاب الأيديولوجي–الأمني للنظام الإيراني، وتُستخدم تصريحاته غالبًا لتعبئة الرأي العام الموالي وتبرير سياسات القمع.
وخلال خطابات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، وصف عباسي الاحتجاجات الشعبية بأنها 'فتنة'، معتبرًا أن التعامل معها يجب أن يكون حاسمًا، ونُسب إليه قوله إن الاستمرار في العنف يستند إلى 'أمر قرآني' حتى 'تنتهي الفتنة'، وهو تصريح أثار موجة إدانات واسعة، لما يحمله من تبرير صريح لاستخدام القوة المميتة ضد المحتجين.
وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن هذا النوع من الخطاب يشكل غطاءً أيديولوجيًا لعناصر الأمن والباسيج، وقد يرقى إلى مستوى التحريض على القتل، خاصة في ظل غياب أي تحقيقات مستقلة أو محاسبة للمسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة بحق المتظاهرين.
التواريخ وأرقام الضحايا
تعود أبرز المواجهات الدامية بين قوات الأمن والمتظاهرين إلى يونيو 2009، خلال احتجاجات 'الحركة الخضراء'، حيث قُتل عشرات المتظاهرين، وجرى اعتقال الآلاف. إلا أن أكثر الأحداث دموية وقعت في 'نوفمبر 2019'، عقب رفع أسعار الوقود، حين اندلعت احتجاجات واسعة في عشرات المدن الإيرانية، ووفق منظمة العفو الدولية، قُتل ما لا يقل عن 304 أشخاص، بينما قدّرت مصادر أخرى، بينها وكالة رويترز، عدد الضحايا بنحو 1500 قتيل، نتيجة إطلاق النار المباشر من قبل قوات الأمن، بما في ذلك وحدات من الحرس الثوري والباسيج.وفي سبتمبر 2022، تفجّرت موجة احتجاجات غير مسبوقة بعد وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى «شرطة الأخلاق»، وخلال الأشهر التالية، وثّقت منظمات حقوقية مقتل أكثر من 500 متظاهر، بينهم عشرات الأطفال والنساء، إضافة إلى إصابة الآلاف واعتقال ما يزيد على 20 ألف شخص، وفق تقديرات حقوقية، وأشارت تقارير إلى استخدام الذخيرة الحية، والضرب المبرح، والاعتقالات الليلية، فضلًا عن تنفيذ أحكام إعدام بحق بعض المحتجين بعد محاكمات وصفتها منظمات دولية بأنها تفتقر إلى معايير العدالة.
بدأت الاحتجاجات في إيران في 28 ديسمبر 2025 على خلفية انهيار العملة وارتفاع معدلات التضخم وتدهور الأوضاع المعيشية، وسرعان ما تحولت إلى مظاهرات واسعة امتدت إلى مختلف أنحاء البلاد، رافعة مطالب بالإصلاح والتغيير السياسي. ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، شهدت البلاد منذ 8 و9 يناير 2026 موجة قمع عنيفة وصفتها منظمات حقوقية بأنها الأكثر دموية منذ عقود، في وقت فرضت فيه السلطات انقطاعًا شبه كامل للإنترنت منذ أوائل يناير، في محاولة للحد من توثيق الانتهاكات وحجب المعلومات عن الداخل والخارج.
ووفق بيانات صادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، قُتل ما لا يقل عن 28 متظاهرًا خلال الفترة بين 31 ديسمبر 2025 و3 يناير 2026، في 13 مدينة موزعة على 8 محافظات، نتيجة تدخل قوات الأمن، بما في ذلك الحرس الثوري وقوات الباسيج. وأشارت تقارير حقوقية إلى أن عمليات القمع شملت إطلاق نار مباشر واستخدام الذخيرة الحية والقنابل المعدنية والغازات المسيلة للدموع، إلى جانب الضرب المبرح بحق محتجين سلميين، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا بين قتلى وجرحى.
وتؤكد هذه الأرقام، رغم اختلاف التقديرات بسبب القيود المفروضة على الإعلام داخل إيران، أن الاحتجاجات كلفت البلاد مئات الأرواح خلال أكثر من عقد، في ظل اتهامات متكررة لقوات الباسيج بلعب دور محوري في المواجهات، وغياب أي مساءلة شفافة للمسؤولين عن عمليات القتل والقمع.