ads
ads

وفاة الرجل الذي عرف خرائط المال وكذبة 2011.. ماذا كان يعرف سيف الإسلام القذافي؟( تحليل)

سيف الإسلام القذافي
سيف الإسلام القذافي

لم يكن سيف الإسلام القذافي مجرد “نجل رئيس سابق” كما صُور بعد 2011، بل كان واحدًا من أخطر الشهود الأحياء على مرحلة شديدة الحساسية في تاريخ ليبيا والمنطقة.

رجل جلس على طاولات تفاوض مع الغرب، واطّلع على صفقات سياسية واقتصادية وأمنية، ثم وجد نفسه بعد سقوط النظام محاصرًا بين روايات متناقضة ما بين أسير، ثم غائب، ثم اسم يعود فجأة إلى المشهد.

في مثل هذه الحالات، لا يكون السؤال الحقيقي هو كيف انتهت حياة الشخص أو اختفى، بل لماذا أصبح وجوده نفسه عبئًا على أطراف كثيرة.

ولهذا، يرى محللون أن الخطر الذي مثّله لم يكن مرتبطًا بشخصه فقط، بل بما كان يعرفه، وما كان يمكن أن يقوله، ومتى؟

حلقة الوصل بين القذافي والغرب

خلال العقد الأخير من حكم معمر القذافي، لعب سيف الإسلام دورًا محوريًا في إعادة تأهيل النظام دوليًا.

كان حاضرًا في المفاوضات غير المعلنة مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وساهم في ترتيبات تسليم برنامج أسلحة الدمار الشامل، وفتح قطاع النفط أمام شركات غربية كبرى.

هذه المرحلة، التي قُدّمت لاحقًا باعتبارها “عودة ليبيا إلى المجتمع الدولي”، تخفي في طياتها تفاصيل وصفقات لم تُكشف للرأي العام الليبي، ويُعتقد أن سيف الإسلام كان مطّلعًا على كثير منها.

ملف الأموال الليبية المجمدة

أحد أخطر الملفات التي ارتبطت باسم سيف الإسلام القذافي كان ملف الأموال الليبية المجمّدة في الخارج، وهو ملف يتجاوز كونه قضية قانونية إلى كونه شبكة مصالح دولية معقّدة.

بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، جُمدت أصول ليبية تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات في بنوك أوروبية وأمريكية، شملت استثمارات سيادية، أسهماً، محافظ مالية، وعقارات

بحكم دوره السابق كواجهة إصلاحية للنظام، وكونه حلقة الوصل الأساسية مع الغرب في سنوات ما قبل الثورة، كان سيف الإسلام على دراية دقيقة بهياكل تلك الاستثمارات: كيف أُنشئت، عبر أي صناديق سيادية، ومن هم الوسطاء القانونيون والماليون الذين تولوا إدارتها.

تقارير وتحليلات صحفية غربية، من بينها ما نشرته صحيفة The Week الأمريكية، أشارت إلى أن جزءًا من هذه الأموال لم يبقَ مجمّدًا فعليًا، بل أُعيد توجيهه أو استخدامه بآليات معقّدة تحت غطاء “الإدارة المؤقتة” أو “حماية الأصول”.

هذه الآليات شملت شركات واجهة، ومديري أصول خاصين، وتحويلات غير مباشرة عبر دول ثالثة، ما فتح الباب أمام استفادة أطراف متعددةحكومات، مؤسسات مالية كبرى، وحتى أطراف محلية داخل ليبيا أعيد تمكينها ماليًا بعد 2011.

في هذا السياق، لم يكن سيف الإسلام مجرد شاهد، بل شخصًا يمتلك خريطة كاملة لمسار الأموال من خرج بها، ومن أعاد تدويرها، ومن استفاد من الفوضى القانونية التي أعقبت سقوط الدولة.

خطورة هذه المعرفة لا تكمن فقط في بعدها السياسي، بل في بعدها الاقتصادي العابر للحدود. الحديث عن الأموال الليبية يعني الحديث عن بنوك مركزية، وأسواق استثمار، وشبكات نفوذ مالية لا تتحمل ظهور شاهد يمتلك تفاصيل دقيقة عن صفقات جرت خلف الأبواب المغلقة.

لذلك، فإن بقاء سيف الإسلام خارج السيطرة، أو تحوّله إلى مصدر محتمل لتسريبات، كان يمثّل تهديدًا مباشرًا لمصالح دول ومؤسسات نافذة، وليس فقط لخصومه داخل ليبيا.

ملف التدخل الدولي في 2011

لا يمكن فصل ملف الأموال الليبية في الخارج عن التدخل الدولي في ليبيا عام 2011، لأن الاثنين تشكّلا داخل السياق نفسه، وبالأدوات ذاتها. فالتدخل الذي بدأ تحت مظلة “حماية المدنيين” بقرار من مجلس الأمن، سرعان ما تحوّل إلى عملية سياسية–اقتصادية واسعة النطاق، كان أحد أعمدتها الأساسية هو التحكم في المال الليبي بعد انهيار الدولة.

قبل 2011، كانت ليبيا تمتلك أحد أكبر الاحتياطيات السيادية في إفريقيا، موزعة بين مصارف أوروبية، وصناديق استثمار، وشراكات استراتيجية مع دول غربية.

ومع بدء العمليات العسكرية وسقوط النظام، فُرض التجميد السريع على هذه الأصول، ليس فقط لمنع استخدامها من قبل النظام السابق، بل أيضًا لإعادة تعريف من يملك حق الوصول إليها. هنا تحديدًا بدأت مرحلة جديدة، أقل وضوحًا وأكثر تعقيدًا.

التدخل الدولي لم يكن عسكريًا فقط، بل رافقته عملية إعادة توزيع نفوذ اقتصادي، استُخدمت فيها الأموال المجمّدة كورقة ضغط وأداة مكافأة في آنٍ واحد.

في هذا الإطار، تحوّلت الفوضى القانونية التي أعقبت 2011 إلى فرصة لإعادة تدوير المال الليبي خارج أي رقابة ليبية حقيقية.

وامتلاك سيف الإسلام لخريطة هذه المرحلة من التجميد، إلى الإدارة، إلى إعادة التوجيه جعله شاهدًا غير مرغوب فيه على ما جرى خلف خطاب “التدخل الإنساني”.

فشهادته المحتملة لا كانت ستُحرج أطرافًا ليبية فقط، بل كانت قادرة على إعادة طرح سؤال جوهري هل كان إسقاط النظام غاية بحد ذاته، أم وسيلة لإعادة تشكيل شبكة مصالح سياسية ومالية على أنقاض الدولة الليبية؟

أسرار انهيار النظام في 2011

كان سيف الإسلام شاهدًا مباشرًا على الأيام الأخيرة للنظام الليبي، من انشق؟ من فاوض سرًا؟ ما طبيعة الاتصالات التي جرت بين أطراف ليبية ودول أجنبية قبل تدخل الناتو؟ هذه الأسئلة ظلت بلا إجابات رسمية حتى اليوم.

أي شهادة تفصيلية من داخل الدائرة الضيقة للنظام السابق كانت قادرة على إعادة كتابة رواية التدخل الدولي، وإحراج أطراف ليبية ودولية.

وثائق أجهزة استخبارات

تشير تحليلات أمنية غربية إلى أن سيف الإسلام القذافي كان مطّلعًا، بحكم موقعه غير الرسمي داخل النظام، على قنوات تواصل غير مباشرة ربطت النظام الليبي بعدد من أجهزة الاستخبارات الغربية، وعلى رأسها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وجهاز الاستخبارات البريطاني وأجهزة إيطالية لعبت دورًا خاصًا في الملف الليبي.

هذه القنوات لم تكن علنية، ولم تمر عبر وزارات الخارجية بالضرورة، بل جرت في إطار تعاون أمني تشكّل بعد عام 2003، عندما أعادت ليبيا نفسها دوليًا وفتحت ملفات حساسة تتعلق بالإرهاب والهجرة وأمن المتوسط.

في الحالة الأميركية، رأت تقارير تحليلية أن سيف الإسلام كان على اطلاع على خطوط اتصال أمنية مع الـCIA جرى استخدامها في سياق تبادل معلومات عن جماعات إسلامية متشددة، ومسارات مقاتلين أجانب، وملفات مرتبطة بتنظيم القاعدة في شمال أفريقيا. هذا التعاون، الذي اعتُبر في حينه نجاحًا استخباراتيًا للطرفين، وضع سيف الإسلام في موقع من يعرف تفاصيل دقيقة عن طبيعة الشراكة التي سبقت التدخل العسكري، وهو ما جعل معرفته لاحقًا محرجة لروايات رسمية صوّرت العلاقة وكأنها عداء دائم وغير قابل للتفاوض.

أما على الصعيد البريطاني، فقد أشارت تحليلات إلى أن قنوات التواصل مع MI6 كانت أكثر حساسية، إذ شملت ملفات إعادة تأهيل ليبيا دوليًا، وتنسيقًا أمنيًا غير مباشر في قضايا الهجرة غير النظامية عبر المتوسط، إضافة إلى تبادل معلومات حول شخصيات ليبية معارضة في الخارج. سيف الإسلام، الذي كان يُقدَّم آنذاك كواجهة إصلاحية للنظام، لعب دور الوسيط غير الرسمي في بعض هذه التفاهمات، ما جعله مطلعًا على تفاهمات لم يُعلن عنها، ولاحقًا جرى تجاهلها أو إنكارها بعد سقوط النظام.

الدور الإيطالي، بحسب قراءات أمنية، كان الأكثر تعقيدًا وتشابكًا، نظرًا للعلاقة التاريخية بين روما وطرابلس.

أجهزة الاستخبارات الإيطالية حافظت على قنوات اتصال نشطة مع النظام الليبي في ملفات الطاقة والهجرة وأمن السواحل، وسيف الإسلام كان جزءًا من هذه المعادلة بحكم علاقاته مع دوائر سياسية واقتصادية أوروبية. هذه القنوات استمرت حتى قبيل 2011، ما جعل سيف الإسلام شاهدًا على تحوّل إيطاليا من شريك أمني إلى طرف داعم للمسار الدولي ضد النظام.

تقارير متضاربة تخرج من ليبيا حول اغتياله

لا تزال تفاصيل مقتل سيف الإسلام، الذي وقع يوم الثلاثاء، محل خلاف، فبحسب بيان صادر عن فريقه السياسي، وأكده محاميه خالد الزيدي، فقد اغتيل في هجوم وُصف بـ«الجبان والغادر» داخل مقر إقامته في مدينة الزنتان بالجبل الغربي، على بُعد نحو 136 كيلومترًا جنوب غرب طرابلس. وأفاد مساعدوه بأن وحدة كوماندوز مكوّنة من أربعة مسلحين اقتحمت المنزل، وعطلت كاميرات المراقبة، وقتلته خلال اشتباك قصير.

شقيقته تروي رواية مختلفة

في المقابل، نقلت شقيقته رواية مختلفة، إذ قالت لقناة ليبية إن سيف الإسلام توفي قرب الحدود الليبية الجزائرية.

ورغم تضارب الروايات، فقد أكد وفاته مستشاره السياسي عبد الله عثمان، وكذلك مسؤولون أمنيون ليبيون. ووصفه أحد أبناء عمومته بـ«الشهيد»، فيما دعا الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة في طرابلس إلى فتح تحقيق عاجل ومستقل في حادثة الاغتيال.

من هو سيف الإسلام القذافي؟

وُلد سيف الإسلام في طرابلس عام 1972، وكان أبرز أبناء معمر القذافي وأكثرهم نشاطًا سياسيًا، رغم أنه لم يشغل منصبًا رسميًا. وعلى مدى عقد من الزمن بدءًا من عام 2000، كان يُنظر إليه باعتباره ثاني أقوى شخصية في ليبيا. خلال تلك الفترة، حرص على تقديم نفسه كمُحدِّث ومُصلح، وواجهة مقبولة للنظام أمام العالم الخارجي.

تلقى تعليمه في كلية لندن للاقتصاد، حيث حصل على درجة الدكتوراه عام 2008، وكان يتقن اللغة الإنجليزية، وتحدث علنًا عن دعم المجتمع المدني، والإصلاح الدستوري، وحقوق الإنسان. ولعب دورًا محوريًا في إعادة تطبيع العلاقات بين ليبيا والغرب، وقاد مفاوضات أفضت إلى تخلي نظام والده عن البرنامج النووي. كما ساهم في تسوية قضية تعويضات تفجير لوكربي، وكان له دور في الإفراج عن الممرضات البلغاريات المتهمات بنقل فيروس الإيدز لأطفال ليبيين.

وامتدت طموحاته الدبلوماسية خارج ليبيا، إذ طرح مبادرة «إسراتين» كحل علماني بدولة واحدة للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، واستضاف محادثات سلام تتعلق بالفلبين، ما عزز صورته كشخصية دولية أكثر من كونه وريثًا ثوريًا.

غير أن هذه الصورة انهارت مع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011. فمع توسع الاحتجاجات في ليبيا، برز سيف الإسلام كأحد أشد المدافعين عن نظام والده. وفي خطاب تلفزيوني شهير، حذّر من أن «أنهارًا من الدماء» ستسيل إذا استمرت الانتفاضة، وتعهد بالقتال «حتى آخر رصاصة»، ووصف المتظاهرين بـ«الجرذان». مثّل ذلك الخطاب القطيعة النهائية مع خطابه الإصلاحي، واصطفافه الكامل مع الرد العنيف للنظام.

وبعد الإطاحة بمعمر القذافي ومقتله في أكتوبر 2011، حاول سيف الإسلام الفرار إلى النيجر متنكرًا في زي بدوي، لكنه أُلقي القبض عليه في الصحراء من قبل كتيبة أبو بكر الصديق التابعة لمدينة الزنتان، واحتُجز هناك قرابة ست سنوات.

وخلال فترة احتجازه، واجه ملاحقات قضائية محلية ودولية. فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه بتهم جرائم ضد الإنسانية مرتبطة بقمع انتفاضة 2011، كما حكمت عليه محكمة في طرابلس بالإعدام غيابيًا عام 2015. إلا أن الانقسام السياسي في ليبيا عمل لصالحه، إذ رفضت ميليشيا الزنتان تسليمه، وأُفرج عنه عام 2017 بموجب قانون عفو أقره البرلمان المنعقد في طبرق.

وبقي سيف الإسلام متخفيًا في الزنتان لأسباب أمنية، لكنه لم يتخلّ عن طموحاته السياسية. ففي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز عام 2021، قال إنه يعتزم اختبار الرأي العام تدريجيًا وإعادة بناء مسيرته السياسية. وبعد أشهر، أعلن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية، ما أثار غضب القوى المناهضة للقذافي، قبل أن يتم إلغاء الانتخابات لاحقًا. ومع ذلك، كشف الإعلان عن استمرار تأثير اسم القذافي في المشهد الليبي.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً