في لحظة إقليمية شديدة الاشتعال، تتقاطع فيها حرب غزة مع توقف المفاوضات بين واشنطن وطهران، ظهرت منصة «تراك أيباك» كأحد أكثر العوامل إرباكًا للمنظومة السياسية الأميركية. المنصة الرقمية، التي تجاوز عدد متابعيها 400 ألف، لم تكتفِ بانتقاد النفوذ الإسرائيلي داخل الكونغرس، بل وضعت أرقام التمويل أمام الرأي العام، كاشفة أن عشرات الملايين من الدولارات تدفقت على مشرّعين وقادة سياسيين في توقيت حاسم اتُّخذت فيه قرارات مصيرية تتعلق بدعم حرب غزة، وتشديد العقوبات على إيران، وعرقلة أي مسار دبلوماسي بديل.
ومع إنفاق تجاوز 126 مليون دولار في دورة انتخابية واحدة، وظهور ما يُعرف بـ«قائمة العار» التي تضم 81 عضوًا في الكونغرس، تحوّل الجدل من مواقف سياسية إلى سؤال مباشر حول استقلال القرار الأميركي. فبينما تُسوَّق المواجهة مع إيران باعتبارها خيارًا أمنيًا، ويُقدَّم الدعم غير المشروط لإسرائيل كالتزام استراتيجي، تكشف «تراك أيباك» عن شبكة مصالح مالية ضخمة تربط التمويل السياسي بقرارات الحرب والتصعيد، في وقت يشهد فيه الشارع الأميركي تحوّلًا غير مسبوق في موقفه من حرب غزة ودور اللوبيات في رسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
منصة رقمية تهز الدعم المالي الإسرائيلي لاعضاء الكونجرس
بعد مرور 71 عامًا على تأسيس لجنة الشؤون العامة الأمريكية-الإسرائيلية (AIPAC) في الولايات المتحدة عام 1954، وهي منظمة أُنشِئت لحشد الدعم المالي والعسكري والسياسي لـ«إسرائيل»، ظهرت في عام 2024 منصة رقمية مضادة تحت اسم «تراك أيباك» Track AIPAC.
ومنذ ذلك الحين، ركّزت منصة «تراك أيباك» على فضح السياسيين الأمريكيين الذين يتلقون أموالًا من اللوبي الصهيوني أيباك، وقد ذهب القائمون عليها إلى حدّ وضع لوحات إعلانية في عدد من المدن، تعرض أسماء مرشحين للكونغرس إلى جانب المبالغ التي تلقوها من أيباك، لإظهار أن ولاء هؤلاء السياسيين موجّه نحو «إسرائيل» وليس الولايات المتحدة.
ونتيجة لدورها النشط في كشف نفوذ أيباك ومواجهته، عبر توثيق منهجي ومفصل للتبرعات المالية التي تقدمها للسياسيين الأمريكيين، تراجع عدد من السياسيين بالفعل عن قبول أي دعم من جماعات الضغط الإسرائيلية.
ومع اتساع تأثير المنصة وزيادة انتشارها، قرر القائمون عليها الكشف عن هوياتهم بعد فترة من العمل بسرية، مبررين ذلك بمخاوف من تعرضهم للاستهداف.
وبدؤوا بعد ذلك بدعم المرشحين الذين يرفضون ما يصفونه بـ«الأموال الصهيونية»، مع فضح علني للسياسيين الذين يقبلون تبرعات صهيونية لتمويل حملاتهم الانتخابية.
تأسس المشروع في البداية بشكل سري عام 2023، تزامنًا مع بدء «إسرائيل» حرب الإبادة على غزة، بهدف فضح السياسيين الأمريكيين المتماهِين مع «إسرائيل» وحروبها، قبل الإعلان الرسمي عن القائمين عليه عام 2024، عقب تحوّل شعبي واسع في الولايات المتحدة دعمًا لغزة وتصاعد الاحتجاجات المنددة بالاحتلال الإسرائيلي.
ومع سعي «تراك أيباك» إلى إنهاء ما تصفه بسيطرة جماعات الضغط الإسرائيلية على الديمقراطية الأمريكية وهيمنتها على عملية صنع القرار السياسي، إضافة إلى تحدي الدور الأوسع للمال في السياسة، تجاوز عدد متابعي المنصة على منصة «إكس» 400 ألف متابع، مدفوعًا بتزايد الدعم الشعبي داخل المجتمع الأمريكي.
تمويل AIPAC لاعضاء الكونجرس وبعض القادة في أمريكا
في دورة الانتخابات 2023-2024، أنفقت لجنة AIPAC والمجلس الفائق (super PAC) التابع لها 126.9 مليون دولار في مجموع التبرعات والدعم الانتخابي، من هذا المبلغ، تم توجيه أكثر من 55.2 مليون دولاركتبرعات مباشرة لمرشحين للمناصب الفيدرالية.كما ذهبت 45.2 مليون دولار من التبرعات ذهبت لحملات أعضاء في الكونجرس الجديد، ووفق مصادر، تلقى 65% من أعضاء الكونجرس أموالًا من AIPAC أو مؤسساتها في نفس الدورة، بما في ذلك أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وفي نوفمبر 2023 وحده، قدمت AIPAC حوالي 3.7 مليون دولار في تبرعات شهرية مسجلة، وهو رقم قياسي بالنسبة لها.
مؤسسين ومرشحين حصلوا على أموال مقابل تمرير حرب غزة
بحسب بيانات تقديرية، بعض السياسيين الذين تلقوا دعمًا من جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل لدعمها في حرب غزة هم:
الرئيس جو بايدن حصل على 5.2 مليون دولار خلال فترته الرئاسية لتأجيج حرب غزة ودعم إسرائيل
السيناتور تشاك شومر حصل على 1.5 مليون دولار في الدورة الحالية.
النائب هاكيم جيفريز حصل على 1.2 مليون دولار في تلك الدورة
النائب كيفين مكارثي حصل على 1 مليون دولار في الدورة الحالية.
النائبة نانسي بيلوسي حصلت على 1.1 مليون دولار إجماليًا عبر مسيرتها.
هذا الإنفاق كان مرتبط بدعم مرشحين يؤيدون المواقف المؤيدة لإسرائيل في السياسة الأمريكية، بما في ذلك الموافقة على مساعدات عسكرية بلا شروط خلال الحرب على غزة وتأجيج الصراع مع إيران.
قائمة العار
وفقًا لما يُعرف بـ«قائمة العار» التي نشرها موقع «تراك أيباك»، والتي تسمي أعضاء الكونجرس الأمريكي الذين تلقوا تمويلًا من اللوبي الصهيوني، تضم القائمة 81 مشرعًا، أي نحو 15% من الكونجرس الحالي، ممن تلقوا أكبر مبالغ دعم من أيباك، وتنقسم الأسماء إلى ثمانية أعضاء في مجلس الشيوخ و73 عضوًا في مجلس النواب، بينهم 37 جمهوريًا و44 ديمقراطيًا.ويكشف الموقع الروابط بين هؤلاء المشرعين و«إسرائيل» من خلال نشر ملفات تفصيلية لأعضاء المجلسين، تتضمن معلومات دقيقة عن التبرعات المالية المرتبطة بـ«إسرائيل» التي تلقوها.
وتضم القائمة سياسيين تلقوا عشرات الآلاف من الدولارات من أيباك وجماعات ضغط مؤيدة للاحتلال، وصولًا إلى شخصيات تلقت ملايين الدولارات، مثل المرشحة الرئاسية الديمقراطية السابقة كامالا هاريس.
ولإثبات أن السياسيين الذين يتلقون أموال اللوبي الصهيوني يعملون لمصلحة حكومة «تل أبيب» أكثر من واشنطن، كشفت «تراك أيباك» أن 28 عضوًا في الكونغرس، جميعهم جمهوريون، وجّهوا تهديدات لقادة أستراليا وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة بفرض عقوبات إذا اعترفوا بدولة فلسطين.
وجاءت هذه التهديدات في رسالة مشتركة قادتها النائبة إليز ستيفانيك والسيناتور ريك سكوت، زعموا فيها أن الاعتراف بفلسطين «يهدد أمن إسرائيل».
وكشف الموقع أن أكثر من 230 مليون دولار أُنفقت لدعم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عبر جماعات ضغط وأفراد مؤيدين لـ«إسرائيل».
وكان أكبر ممول هو لجنة Preserve America PAC المرتبطة بالمليارديرة الإسرائيلية-الأمريكية ميريام أديلسون، التي ضخت أكثر من 215 مليون دولار لدعم ترامب، كما أنفقت لجنة التحالف اليهودي الجمهوري أكثر من 14 مليون دولار منذ عام 2020.
وتلقى نائب الرئيس السابق جي دي فانس أكثر من 167 ألف دولار من جماعات ضغط «مؤيدة لإسرائيل»، في حين أنفق الملياردير بيتر ثيل، حليفه السياسي، نحو 15 مليون دولار لدعم حملته لمجلس الشيوخ عام 2022.
ويُعد ثيل شريكًا مؤسسًا لشركة «بالانتير» المدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، والتي تساعد «إسرائيل» في إعداد ما يُعرف بـ«قوائم الاغتيال» في غزة، ووقعت في يناير/كانون الثاني 2024 شراكة استراتيجية مع الجيش الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، قالت مجلة «ذا أمريكان بروسبكت» إن أيباك تمثل منذ أربعة عقود «وصمة» في الديمقراطية والسياسة الخارجية الأمريكية، وتمنع أي رئيس أمريكي من معارضة الحكومة الإسرائيلية.
قائمة بأبرز المتبرعين والممولين لأيباك
جان كوم: رجل أعمال وملياردير من أصول أميركية أوكرانية، ويعرف بمشاركته في تأسيس تطبيق واتساب (7 ملايين و432 ألفا و880 دولارا).
المليارديرة الإسرائيلية الأميركية ميريام أديلسون (5 ملايين دولار).
جيكبسون جوناثن، رجل أعمال أميركي وعضو مؤسس لشركة 'هاي سيج فنترز' الاستثمارية (4 ملايين و475 ألف دولار).
بيرنارد ماركوس ملياردير أميركي من عائلة ذات أصول يهودية روسية (3 ملايين دولار).
ديفيد زاليك، رجل أعمال وملياردير أميركي إسرائيلي ومؤسس شركة التكنولوجيا المالية 'غرين سكاي'، تبرع بقيمة مليوني دولار.
الملياردير الأميركي ومؤسس شركة إيليوت مانجمنت بول سينغر (مليونا دولار).
حاييم سابان، رجل أعمال وملياردير إسرائيلي أميركي، وهو الرئيس التنفيذي لمجموعة سابان كابيتول الاستثمارية (مليونا دولار).
هيلين ليرنر، ناشطة بيئية أميركية ومؤسسة ورئيسة مجلس إدارة مركز 'غريس' العالمي من أجل البيئة (مليونا دولار).
مارك روان، أميركي الجنسية وعضو مؤسس لشركة 'أبولو غلوبل مانجمنت' الاستثمارية (مليون و250 ألف دولار).
شركة 'بروبيتي إنترناشونال كوربوريشن' العقارية الأميركية (مليون و3 آلاف دولار).
رجل الأعمال والملياردير الأميركي بول ليفي (مليون و420 دولارا).
ديبورا سايمون، ابنة الملياردير الأميركي ميلفن سايمون (مليون دولار).
مجموعة شركات أميركية يملكها روبرت كرافت (مليون دولار).
المستثمرة الأميركية ليندا أوربين (750 ألفا و50 دولارا).
علاقة المنظة بوقف المفاوضات بين إيران وامريكا
بعد توقف المفاوضات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، عاد دور جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها AIPAC، إلى الواجهة بقوة داخل واشنطن. هذه الجماعات دفعت باتجاه ترسيخ قناعة داخل الكونغرس بأن المسار التفاوضي مع طهران لم يعد مجديًا، وأن سياسة الضغط والعقوبات هي الخيار الوحيد المتاح. وظهر ذلك في تصاعد الخطاب السياسي الداعي إلى تشديد العقوبات وعرقلة أي محاولات مستقبلية لإحياء الاتفاق النووي.
وقف المفاوضات انعكس مباشرة على الداخل الإيراني، إذ أدى استمرار العقوبات الأميركية إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، ما زاد من حدة التوترات الاجتماعية والاحتجاجات. في هذا السياق، تُوظَّف هذه الاضطرابات في الخطاب الأميركي المدعوم من اللوبيات المؤيدة لإسرائيل باعتبارها دليلًا على “هشاشة النظام الإيراني”، بما يبرر الإصرار على العزل السياسي بدل البحث عن تسوية دبلوماسية.
في الوقت نفسه، يرتبط هذا المسار بما يجري إقليميًا، خاصة بعد حرب غزة، حيث يجري تقديم إيران في واشنطن كجزء من “محور تهديد” لأمن إسرائيل. ومع توقف المفاوضات، يتعزز نفوذ الأصوات التي ترى أن أي تهدئة مع طهران تصب ضد المصالح الإسرائيلية، ما يجعل المشهد مفتوحًا على مزيد من التصعيد السياسي والاقتصادي، ويقلّص فرص العودة القريبة إلى الحوار بين واشنطن وطهران.
تأثير المنظمة على قرارات ترامب والساسة الأمريكيين
اعتمد الكونجرس مشروع قانون الميزانية الدفاعية (NDAA) لعام 2026 والذي يتضمن تمويلًا مباشرًا لتعزيز التعاون الدفاعي مع إسرائيل بقيمة 500 مليون دولار، ويشمل برامج دفاع صاروخي وأنظمة مشتركة، وهو ما رحّبت به AIPAC واعتبرته انتصارًا لمواقفها السياسية.
وفي سياق انتخابات 2026، تلقّى السيناتور الجمهوري سوزان كولينز نحو 20% من تبرعات حملتها من AIPAC، ما يبيّن استمرار تأثير اللوبي في تمويل السياسيين المؤيدين لإسرائيل خلال هذا العام.
وكان النائب الديمقراطي سيث مولتون قد أعلن أنه سيرد أي تبرعات من AIPAC قبل أن يحتفظ بكثير منها ضمن رصيده المالي، وهو مثال على الضغوط التي يمارسها اللوبي على السياسيين، وكيف تصبح الأموال جزءًا من المشهد السياسي حتى لو أعلن البعض رفضها رسميًا
كما حرصت AIPAC على بناء علاقات قوية مع الإدارات الجمهورية، وخصوصًا مع ترامب، خلال فترته الرئاسية، دعمت المنظمة سياساته الأساسية المتعلقة بإسرائيل، مثل نقل السفارة الأميركية إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، هذه القرارات انسجمت تمامًا مع أجندة اللوبي، وهذا ما أدى لدعم ترامب سياسيًا وإعلاميًا من خلال شبكة واسعة من المتبرعين والنواب المؤيدين له داخل الكونجرس حتى الآن.