ads
ads

القدس خارج الخط الأخضر.. هل تبدأ إسرائيل أخطر إعادة رسم للحدود منذ 1967؟

القدس
القدس

في خطوة تعيد خلط الأوراق في واحدة من أكثر قضايا الشرق الأوسط حساسية، تتجه الحكومة الإسرائيلية إلى توسيع نفوذ القدس فعليًا خارج حدود ما يُعرف بـ الخط الأخضر، عبر حزمة قرارات تشمل تسجيل أراضٍ، وتوسيع بنية تحتية، وإحياء مشاريع استيطانية استراتيجية مثل خطة E1، هذه التحركات، التي تُعد الأوسع منذ حرب 1967، لا تقتصر على البناء العمراني، بل تمس جوهر المعادلة السياسية والقانونية للصراع، وتعيد طرح سؤال حاسم هل نحن أمام تكريس لواقع جغرافي جديد يجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيدًا؟، في قلب هذا التحول تقف القدس، المدينة التي تختصر الصراع برمزيته الدينية والسياسية، والتي قد تشهد اليوم مرحلة تعيد تعريف حدودها وموقعها في أي خريطة قادمة للمنطقة.

خلفية تاريخية من 1967 إلى اليوم

عقب حرب يونيو 1967، سيطرت إسرائيل على القدس الشرقية وأعادت رسم حدود بلدية القدس بشكل موسّع، لتضم مساحات واسعة من الأراضي المحيطة بالمدينة. ومنذ ذلك الحين، أُنشئت أحياء ومستوطنات كبيرة في محيط القدس، شكّلت لاحقًا ما يُعرف بـ “الحزام الاستيطاني” الذي يطوّق المدينة من الشمال والشرق والجنوب. المجتمع الدولي لم يعترف بضم القدس الشرقية، واعتبرها أرضًا محتلة، بينما تعتبرها إسرائيل جزءًا من عاصمتها “الموحدة”.

الجديد في المرحلة الراهنة لا يقتصر على البناء داخل الحدود البلدية الموسعة، بل يتمثل في تحركات تُفسَّر على أنها ربط فعلي لكتل استيطانية خارج تلك الحدود بالقدس إداريًا وبنيويًا، بما يخلق تواصلاً جغرافيًا وسياسيًا جديدًا.

الخطة E1 البعد الاستراتيجي

تحتل “الخطة E1” موقعًا مركزيًا في هذا المشهد. المشروع يهدف إلى البناء في المنطقة الواقعة بين القدس ومستوطنة “معاليه أدوميم”، شرق المدينة. تنفيذ الخطة يعني عمليًا خلق تواصل عمراني إسرائيلي متصل من غرب القدس إلى عمق الضفة الغربية شرقًا.

أهمية E1 تكمن في بعدها الجغرافي: المنطقة المقترحة للبناء تقع في نقطة حساسة تربط شمال الضفة الغربية بجنوبها. لذلك، يرى منتقدو المشروع أن تنفيذه سيؤدي إلى فصل فعلي بين المنطقتين، ويجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أمرًا بالغ الصعوبة. في المقابل، تعتبر الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن المنطقة جزء من “الكتل الاستيطانية الكبرى” التي تتوقع إسرائيل الاحتفاظ بها في أي تسوية نهائية.

إعادة تحريك ملف E1 في السياق الحالي، بالتوازي مع خطوات تسجيل الأراضي وتعزيز البنية التحتية، تعطي انطباعًا بأن هناك رؤية متكاملة لإعادة صياغة المجال الجغرافي المحيط بالقدس.

تسجيل الأراضي وتعزيز السيطرة الإدارية

بحسب تقارير نشرتها وسائل إعلام دولية مثل Reuters وAP News، وافقت الحكومة الإسرائيلية على توسيع إجراءات تسجيل الأراضي في مناطق من الضفة الغربية، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ عام 1967. هذه الإجراءات، من الناحية التقنية، تتعلق بتنظيم الملكيات العقارية. لكن سياسيًا، يرى معارضوها أنها تمهيد لتحويل مساحات واسعة إلى “أراضي دولة”، ما يسهل لاحقًا تخصيصها للبناء الاستيطاني أو لمشاريع بنية تحتية تخدم المستوطنات.

من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، فإن هذه السياسات تندرج ضمن “تنظيم قانوني” ضروري لمعالجة فوضى تسجيل الأراضي الممتدة منذ العهد العثماني. أما فلسطينيًا، فيُنظر إليها كخطوة إضافية ضمن ما يُسمّى “الضم الزاحف” الذي لا يتم بإعلان رسمي، بل عبر تغيير تدريجي في الوقائع القانونية والإدارية.

الأبعاد القانونية والدولية

القانون الدولي يعتبر الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أراضي محتلة. قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة أكدت عدم شرعية الاستيطان. في المقابل، تستند إسرائيل إلى قراءات قانونية تعتبر أن وضع الأراضي متنازع عليه وليس “محتلاً” بالمعنى التقليدي، وتستشهد بروابط تاريخية ودينية وقانونية.

التحركات الأخيرة أثارت ردود فعل دولية متباينة. تقارير في The Guardian أشارت إلى مخاوف أوروبية من أن تؤدي هذه الخطوات إلى تقويض أي أفق سياسي. بينما تتفاوت مواقف الإدارات الأمريكية بحسب السياق السياسي، فإن التوسع في مناطق حساسة مثل E1 ظل تاريخيًا محل تحفظ أمريكي، نظرًا لانعكاساته على إمكانية قيام دولة فلسطينية.

البعد الديموغرافي والجغرافي

التوسع الاستيطاني حول القدس لم يكن يومًا مجرد قضية بناء وحدات سكنية، بل يرتبط بإعادة تشكيل التوازن الديموغرافي. ربط المستوطنات الكبرى بالقدس يعزز الأغلبية اليهودية في المجال الحضري الموسّع، ويقلل من الوزن النسبي للأحياء الفلسطينية داخل حدود البلدية.

جغرافيًا، أي توسع شرقًا باتجاه “معاليه أدوميم” يعيد رسم الخريطة الفعلية للمنطقة، فالطرق الالتفافية، ومشاريع النقل، وشبكات المياه والكهرباء، كلها أدوات تصنع واقعًا متصلًا يصعب فصله مستقبلاً في إطار تسوية سياسية.

داخليًا، تحظى سياسات التوسع بدعم من أحزاب يمينية ودينية ترى فيها تثبيتًا للسيادة. في المقابل، تحذر أصوات معارضة من أن تسريع الضم الفعلي قد يؤدي إلى عزلة دولية وتوترات أمنية متصاعدة.

ميدانيًا، غالبًا ما ترافق التحركات المرتبطة بالأراضي موجات توتر، سواء بسبب الاعتراضات الفلسطينية أو الاحتكاكات بين السكان والمستوطنين، أي تغيير في وضع القدس يحمل حساسية مضاعفة، نظرًا لمكانتها الدينية والسياسية.

هل نحن أمام مرحلة جديدة؟

التحليل الشامل يشير إلى أن ما يجري ليس قرارًا منفردًا، بل مسارًا متدرجًا يدمج بين أدوات قانونية (تسجيل الأراضي)، وعمرانية (مشاريع البناء مثل E1)، وبنيوية ربط الطرق والبنية التحتية، بهدف خلق واقع جغرافي متكامل حول القدس.

إذا استمر هذا المسار، فإن مستقبل حل الدولتين سيواجه تحديات أكبر، ليس فقط سياسيًا، بل جغرافيًا على الأرض. وبين توصيف الحكومة الإسرائيلية لهذه الخطوات باعتبارها “تنظيمًا سياديًا مشروعًا”، ورؤية الفلسطينيين والمجتمع الدولي لها كتكريس لضم فعلي، تبقى القدس محور الصراع وجوهره، كما كانت منذ عام 1967 وحتى اليوم.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً