ads
ads

تكبيرات رمضان تعلو فوق الركام.. غزة تستقبل رمضان بمجاعة وعطش وقيود على المصلين في الـأقصى

قطاع غزة
قطاع غزة

بينما صدحت مآذن مكة المكرمة وعدد من العواصم العربية والإسلامية بتكبيرات الإعلان عن بدء شهر رمضان المبارك، اليوم الأربعاء، أعلنت عواصم أخرى تعذُر رؤية الهلال، ليكون اليوم متمّما لشهر شعبان، ويغدو الخميس غرة الشهر الفضيل.

ويحل شهر الصيام هذا العام في ظروف استثنائية، تلقي بظلالها الثقيلة على ملايين المسلمين، بين الحرب والمجاعة والنزوح وانهيار مقومات الحياة، ويفرض الشهر عليهم طقوسا استثنائية يحاولون فيها ترميم أرواحهم ببركات الشهر الفضيل، في ظل غياب شبه تام لمقومات الحياة البسيطة.

يأتي شهر رمضان إلى قطاع غزة هذا العام في ظل واقع إنساني وأمني بالغ التعقيد، حيث تتداخل أجواء العبادة مع تحديات البقاء الأساسية÷، أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون بين نزوح داخلي، وتدمير واسع للبنية التحتية، وضغوط نفسية متراكمة، ورغم أن رمضان لطالما ارتبط في غزة بالحياة الاجتماعية النشطة والأسواق المكتظة وموائد الإفطار العائلية، إلا أن المشهد اليوم مختلف جذريًا، إذ تحوّلت أولويات السكان إلى تأمين الغذاء والمياه ومكان آمن يقضون فيه ليلهم.

تفاصيل المشهد الإنساني اليومي

تبدأ يوميات رمضان في غزة بالبحث عن الماء قبل التفكير في الطعام. كثير من الأحياء تعاني من انقطاع شبكات المياه، ما يدفع السكان إلى تعبئة جالونات من نقاط توزيع محدودة، غالبًا بعد ساعات انتظار طويلة. الكهرباء بدورها شبه منعدمة، وتعتمد العائلات على مولدات صغيرة أو ألواح طاقة شمسية محدودة القدرة، تكفي بالكاد لإضاءة خافتة وقت الإفطار أو لشحن الهواتف.

المنازل المتضررة أو المهدمة أجبرت آلاف الأسر على الإقامة في مدارس تحولت إلى مراكز إيواء، أو في خيام أقيمت على عجل. داخل هذه الخيام، لا توجد خصوصية كافية، ويصبح تحضير الطعام عملية معقدة تتم عبر مواقد بدائية تعمل بالحطب أو الغاز إن توفر. في ظل هذه الظروف، يصبح الصيام تحديًا مضاعفًا، خصوصًا لكبار السن والمرضى.

موائد الإفطار.. من التنوع إلى الحد الأدنى

كانت موائد رمضان في غزة سابقًا تزدان بأطباق تقليدية مثل المسخن، الشوربات المتنوعة، والحلويات كالكنافة والقطايف، أما اليوم، فقد تقلصت الخيارات إلى أبسط المكونات المتاحة، كثير من الأسر تعتمد على الأرز أو العدس والمعلبات، فيما أصبحت اللحوم والدواجن سلعة نادرة ومرتفعة الثمن.

المساعدات الغذائية تشكل عنصرًا حاسمًا في تأمين وجبات الإفطار. الطرود التي تحتوي على الدقيق والزيت والسكر والأرز تُوزع على فترات، لكنها لا تكفي دائمًا لتغطية الاحتياجات المتزايدة. لذلك تنتشر موائد إفطار جماعية تقيمها مبادرات محلية، حيث يُطهى الطعام في قدور كبيرة ويوزع على العائلات. هذا المشهد يعكس روح التكافل، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم الاعتماد على الإغاثة.

صلاة التراويح بين الأنقاض وازمة تقليص اعداد المصلين

عدد من المساجد تعرض لأضرار جسيمة، وبعضها دُمر بالكامل. لذا تُقام صلاة التراويح في مساجد متضررة جزئيًا، أو في ساحات مفتوحة وأماكن إيواء. أصوات المصلين تختلط أحيانًا بأصوات الطائرات أو الانفجارات البعيدة، ما يجعل الأجواء مشحونة بالتوتر.

كما صادق المستوى السياسي في إسرائيل، بناءً على توصيات الأجهزة الأمنية، على مخطط يتيح دخول المصلين الفلسطينيين من الضفة الغربية لأداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى طوال شهر رمضان المبارك.

وبحسب ما نشرته وكالة «سوا» الإخبارية، اليوم الأربعاء، زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي أن القرار يأتي بهدف «ضمان حرية العبادة»، مع الحفاظ على الاستقرار الأمني.

ووفقاً للمخطط المعتمد، تم تحديد سقف الحضور بـ10 آلاف مصلٍ فقط لكل يوم جمعة، مع وضع اشتراطات عمرية محددة تشمل:

الرجال: من سن 55 عاماً فما فوق.

النساء: من سن 50 عاماً فما فوق.

الأطفال: حتى سن 12 عاماً (بشرط مرافقة قريب من الدرجة الأولى).

وأوضح البيان أن «الدخول لن يكون متاحاً إلا لمن يحمل تصريحاً يومياً مخصصاً لكل صلاة جمعة على حدة»، مشدداً على أن جميع الطلبات ستخضع لفحص وموافقة أمنية مسبقة من الجهات المختصة.

كما أُلزم المصلون بضرورة إجراء توثيق رقمي (تأكيد الرجوع) عند المعابر أثناء عودتهم إلى مناطق الضفة الغربية في نهاية يوم الصلاة، لضمان مغادرة كل الحاصلين على التصاريح.

وفي وقت سابق، أعلنت مصادر إسرائيلية، عن عدة إجراءات عسكرية اتخذها جيش الاحتلال في الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة.

وأوضحت المصادر العبرية، عن حالة تأهب واسعة وغير مسبوقة، في القدس المحتلة، وتعزيز قوات الاحتلال بعدة فرق في الضفة الغربية.

وأوضحت أنه سيتم نشر آلاف من عناصر شرطة الاحتلال في أنحاء مدينة القدس، خاصة أبواب البلدة القديمة، ومحاور السير المركزية، ومحيط الأقصى، كما جرى إضافة ساعات اقتحام المسجد الأقصى بساعة من قبل المستعمرين مع بداية شهر رمضان، وأصبح الاقتحام خمس ساعات.

وأشارت المصادر إلى القيود التي فرضتها سلطات الاحتلال على دخول المصلين من الضفة الغربية إلى القدس، وكانت سلطات الاحتلال قد أوصت بتحديد عدد المصلين الذين سيسمح لهم بالدخول إلى القدس، وقيود عمرية على المصلين، خصوصًا أيام الجمعة، حيث يُتوقع وصول عشرات الآلاف إلى الأقصى.

كما أعلن جيش الاحتلال تكثيف الإجراءات الاستباقية، بما في ذلك اعتقالات بشبهة ما يدعيه «التحريض، ومراقبة شبكات التواصل الاجتماعي، وتشغيل غرفة عمليات لرصد دعوات للعنف أو محاولات تنظيم تجمعات غير اعتيادية»، ومواصلة ملاحقة العمال ومنعهم من الدخول، عبر إغلاق عدة طرق شمال القدس المحتلة قرب جدار الفصل العنصري.

الاقتصاد المنهك والأسواق الخافتة

الأسواق التي كانت تنبض بالحياة قبيل الإفطار تبدو اليوم أقل ازدحامًا. كثير من المتاجر أغلقت بسبب الأضرار أو نقص البضائع. الأسعار ارتفعت نتيجة شح الإمدادات وتكاليف النقل، بينما فقد عدد كبير من السكان مصادر دخلهم.

الأنشطة التجارية الموسمية التي كانت تزدهر في رمضان، مثل بيع الحلويات والفوانيس والملابس الجديدة، تراجعت بشدة. الأولوية باتت لتأمين المواد الأساسية فقط، ما انعكس على الحركة الاقتصادية بشكل عام.

في خضم هذه التحديات، يبرز رمضان كمساحة روحية تعيد ترتيب الأولويات، كثير من العائلات تخصص وقتًا أطول لقراءة القرآن والدعاء، معتبرة أن الشهر يمثل فرصة للتماسك الداخلي. التجمعات العائلية، وإن كانت محدودة، تظل لحظة دعم معنوي مهمة.

الإحساس الجماعي بالمحنة عزز التضامن الاجتماعي، إذ تتشارك الأسر الطعام والمياه، ويتكفل البعض بمساعدة كبار السن أو المرضى. هذه الروح الجماعية تشكل أحد أبرز ملامح رمضان في غزة هذا العام.

رمضان في غزة لم يعد شهر زينة وأسواق مكتظة، بل أصبح شهر صبر يومي على نقص الغذاء والماء والأمان، ومع ذلك، يصر السكان على الحفاظ على طقوسهم وشعائرهم، ولو في أبسط صورها. بين الخيام والركام، تتجسد معاني التضامن والتكافل، ليبقى رمضان شاهدًا على قدرة المجتمع الغزي على التمسك بالحياة والروح رغم أقسى الظروف.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً