ads
ads

"عبادات الديجيتال" وأخلاق الشاشة.. الصيام ليس مجرد "امتناع" بل "ارتقاء" في عصر الذكاء الاصطناعي ( ستوك شهر رمصان )

  صوم رمضان
صوم رمضان

بينما يهل علينا شهر رمضان المبارك في عام 2026، نجد أنفسنا أمام مشهد إنساني واجتماعي شديد التعقيد، حيث لم يعد الصيام مجرد شعيرة دينية نمارسها بمعزل عن محيطنا التكنولوجي، بل أضحى اختباراً يومياً لقدرتنا على الصمود أمام سيل الجذب الرقمي الذي يحيط بنا من كل جانب. إن مفهوم الصيام في عصرنا الراهن يتجاوز الامتناع التقليدي عن الطعام والشراب، ليدخل في جوهر "الجهاد النفسي" ضد تشتت الانتباه وضجيج المنصات، وهو ما يفرض علينا إعادة قراءة النصوص الفقهية بروح معاصرة تستوعب المتغيرات دون أن تخل بالثوابت، فالصائم اليوم يحتاج إلى "فقه نية" يمتد من قلبه إلى أطراف أصابعه التي تلامس شاشات الهواتف ليل نهار.

وإذا تأملنا في مفهوم "صيام الجوارح" في ظل طغيان مواقع التواصل الاجتماعي، سنجد أن التحدي الأكبر يكمن في حفظ اللسان والبصر الرقمي، حيث تحولت "الغيبة" من كلمات منطوقة في المجالس إلى تعليقات مكتوبة ومنشورات يراها الملايين في ثوانٍ معدودة. إن الفقهاء اليوم يشددون على أن "الريبوست" أو المشاركة لخبر كاذب أو شائعة تمس أعراض الناس في نهار رمضان لا يقل خطورة عن قول الزور اللساني، بل ربما يزيد إثماً لسرعة انتشاره، مما يجعل من ضبط "التايم لاين" الخاص بكل مسلم جزءاً لا يتجزأ من كمال صومه، فليس من المنطقي أن يمتد صيام المسلم عن المباحات كالأكل، بينما يفطر قلبه وعقله على محرمات "التريند" والنميمة الإلكترونية التي تنهش في جسد المجتمع وتنزع البركة من الشهر الكريم.

وفي سياق متصل، فرضت الرقمنة المالية واقعاً جديداً على فريضة الزكاة والصدقة، حيث تحولت تطبيقات الدفع الإلكتروني إلى وسيط روحي يربط بين المتصدق والمحتاج، وهو ما يفتح باباً واسعاً للنقاش حول آداب الصدقة في العصر الحديث. ويرى علماء الدين أن هذه الوسائل التكنولوجية تعد من نعم العصر التي تضمن وصول الحقوق لأصحابها بكرامة تامة وبعيداً عن أعين المتطفلين، إلا أنهم يحذرون في الوقت ذاته من "فخ التفاخر الرقمي" الذي يقع فيه البعض بتصوير المساعدات وتوزيع الكراتين الرمضانية بغرض جلب المشاهدات؛ إذ يظل الإخلاص هو المعيار الوحيد لقبول العمل، والصدقة "الديجيتال" تمنح المسلم فرصة ذهبية ليمارس فضيلة إخفاء العمل الصالح، محققاً بذلك أسمى معاني العبودية التي تتجلى في أن "تنفق اليمين ما لا تعلم الشمال".

أما على الصعيد الطبي والعلمي، فقد واكب الفقه الإسلامي التطورات المذهلة في عام 2026، ليقدم إجابات شافية للمرضى وأصحاب الحالات الخاصة، فبات من المستقر عليه أن التقنيات الطبية الحديثة كبخاخات الربو المتطورة وبعض أنواع الرقع الجلدية العلاجية لا تفسد الصوم ما لم تصل إلى الجوف من المنافذ الطبيعية المعتادة، وهو تيسير شرعي يرفع الحرج عن الملايين ويجعلهم يشعرون بحلاوة الانتماء لموكب الصائمين دون مشقة طبية زائدة. وفي الوقت نفسه، يبرز "فقه الأولويات" في التعامل مع العمليات الجراحية غير العاجلة أو الإجراءات التجميلية التي يفضل الفقهاء إرجاءها لما بعد الشهر الفضيل، حفاظاً على قدسية الوقت وتجنباً لأي عقاقير قد تؤثر على نية الصيام أو تضعف البدن عن أداء الفرائض والسنن.

وبالانتقال إلى الجانب الاقتصادي، نجد أن رمضان في ظل التحديات المعيشية الحالية يتطلب "فقه قناعة" حقيقي يواجه ثقافة الاستهلاك المسعور، فرمضان الذي نزل فيه القرآن ليحرر النفس من شهواتها، لا يمكن أن يتحول إلى شهر للهدر الغذائي والمباهات في موائد الطعام. إن التدبير المنزلي في عام 2026 لم يعد مجرد ضرورة مادية، بل أصبح عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه، حيث إن حفظ النعمة ومنع الإسراف هما تطبيق مباشر لقوله تعالى "ولا تسرفوا"، والأسرة التي تنجح في موازنة مصروفاتها وتوجيه الفائض لمساعدة الجيران والفقراء تكون قد حققت المقصد الأسمى من الصيام، وهو الشعور بالآخر والارتقاء بالنفس فوق رغبات التملك والامتلاك.

ولا تكتمل ملامح هذه القضية دون التطرق لمسألة "إدارة الوقت" والإنتاجية، فالمفهوم الخاطئ بأن رمضان شهر للخمول والنوم نهاراً والسهر أمام الشاشات ليلاً بات يحتاج إلى تصحيح جذري، خاصة مع تزايد ضغوط العمل في العصر الحديث. إن العمل في نهار رمضان هو "جهاد مقدس" وإخلاص الموظف في أداء مهامه رغم التعب البدني يرفع درجته عند الله، بينما تظل الدراما والبرامج الترفيهية مجرد وسائل للترويح لا يجب أن تسرق جوهر الزمن الرمضاني. إن الصائم الواعي هو من يصمم برنامجه اليومي بحيث يوازن بين واجبات الدنيا ومتطلبات الروح، مدركاً أن الدقيقة في رمضان لا تعوض، وأن الاستثمار في "الخلوة مع الله" وصلاة التراويح هو الرصيد الحقيقي الذي يبقى للإنسان بعد انقضاء الشهر.

وبذلك يمكننا القول إن صيام عام 2026 هو صيام الوعي والبصيرة، صيام يربط بين النص الديني والواقع المعاش، ويجعل من المسلم عنصراً فاعلاً وإيجابياً في مجتمعه. إننا مدعوون جميعاً لجعل هذا الشهر محطة انطلاق لتغيير السلوكيات الخاطئة، وتوظيف كل الأدوات الحديثة لخدمة الدين والإنسانية، ليكون رمضاننا هذا العام "نسخة مطورة" من أنفسنا، نخرج منها بقلوب أنقى، وعقول أرقى، وأرواح متصلة بخالقها في كل وقت وحين.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً