أصدرت دار الإفتاء المصرية توضيحاً فقهياً شاملاً حول الجوانب الشرعية المتعلقة بالعلاقة بين الزوجين خلال نهار رمضان، حيث أكدت أن تقبيل الزوج لزوجته أثناء الصيام يعد أمراً جائزاً في أصل الشرع ولا يترتب عليه بطلان الصوم أو فساده. وأوضحت الدار أن هذه الإباحة مقيدة بشرط جوهري، وهو قدرة الصائم على التحكم في مشاعره وانفعالاته، بحيث يأمن تماماً من الانزلاق نحو مفسدات الصيام الكبرى، والمتمثلة في الجماع أو حدوث الإنزال، وهو ما يجعل من "ضبط النفس" المعيار الأساسي الذي يُبنى عليه الحكم بالحل أو الكراهة في هذا السياق.
واستندت الفتوى في تأصيلها لهذا الحكم إلى السنة النبوية المطهرة وما ورد في الأحاديث الصحيحة عن حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخاصة، حيث ثبت بوضوح أنه كان يُقبل ويباشر وهو صائم. وقد اتخذ الفقهاء من هذه الأفعال النبوية دليلاً قاطعاً على أن مجرد التقبيل أو المباشرة البدنية الخفيفة التي تنطوي على المودة والرحمة لا تُعد من المفطرات، طالما أنها ظلت في إطارها المحدود ولم تتجاوز إلى المحظور الذي يفسد العبادة ويوجب القضاء أو الكفارة.
وفي سياق متصل، فصلت دار الإفتاء في الفروق الفردية بين الصائمين، مشيرة إلى أن الحكم قد ينتقل من الإباحة إلى الكراهة التنزيهية في حالات معينة؛ فإذا كان الصائم شاباً أو ممن تتحرك شهوته بسرعة ويخشى على نفسه الوقوع في مفسدات الصوم، فإن الأولى في حقه الابتعاد عن هذه الأفعال حمايةً لعبادته وسداً للذرائع. أما من كان يملك "إربه" ويتحكم في غريزته، فإن الفعل في حقه يظل على أصله من الجواز، تيسيراً من الشريعة وتأكيداً على أن الصيام هو تهذيب للغريزة لا إلغاء للمودة الزوجية المشروعة.
وأشارت الدار إلى وجود تفصيل فقهي يتعلق بحال الصائم؛ فإذا كان الصائم شاباً أو ممن تتحرك شهوته بسرعة ويخشى على نفسه من فساد صومه، فإن التقبيل في حقه يكون مكروهاً تنزيهاً، وذلك من باب سد الذرائع وحماية العبادة من البطلان. أما إذا كان الشخص كبيراً في السن أو يملك إربَه (أي يتحكم في شهوته) كما كان حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلا كراهة في حقه، ويظل صومه صحيحاً ما لم يحدث ما يوجب القضاء.وشددت الفتوى في تفصيلاتها على أن المدار الأصيل الذي يدور حوله هذا الحكم الشرعي هو تحقق "أمن الفتنة" وتوافر "القدرة على ضبط النفس"، إذ يمثل هذا الضابط النفسي والبدني صمام الأمان الذي يحمي عبادة المسلم من الفساد. وبناءً على ذلك، وجهت الدار دعوة حثيثة للمسلمين بضرورة توخي أقصى درجات الحذر والحيطة خلال نهار رمضان، والحرص الدائم على صون كمال الصوم، مع التأكيد على أهمية الابتعاد عن كل مسببات الشهوة التي قد تعرض هذه الشعيرة العظيمة للخدش أو الوقوع في مغبة البطلان نتيجة عدم تقدير الشخص لقدرته على التحكم في غريزته.
واختتمت دار الإفتاء تأصيلها الفقهي بالتأكيد على الفلسفة الأسمى للصيام، معتبرة إياه عبادة روحية شاملة تهدف في مقامها الأول إلى تهذيب النفس والسمو بها فوق الشهوات المادية، وتدريبها على الامتثال لأوامر الله تعالى في أحلك الظروف. وأوضحت أن التزام الصائم بالضوابط الشرعية الدقيقة في مثل هذه المسائل الحساسة لا يعكس فقط رقيَّه الإيماني، بل يضمن له بالدرجة الأولى صحة عبادته من الناحية الفقهية، ويفتح له أبواب نيل الأجر والثواب كاملاً غير منقوص، بما يحقق الغاية المرجوة من فرض الصيام وهي التقوى والارتقاء الروحي.