تعد مسألة "القنوت" أو الدعاء في الصلاة من المسائل الفقهية الثرية التي تعكس مرونة الشريعة الإسلامية وتعدد مشارب الاجتهاد بين المذاهب الأربعة، حيث يبرز التباين في الأحكام بين صلاتي الصبح والوتر، وما إذا كان هذا الدعاء سنة راتبة أم مرتبطاً بوقوع النوازل والمصائب العامة، وهو ما توضحه دار الإفتاء المصرية عبر تأصيل شرعي يجمع بين أقوال السلف وتطبيقات الخلف.
وفي صلاة الصبح، ينقسم الفقهاء إلى فريقين رئيسيين؛ فبينما يرى الشافعية والمالكية أن القنوت في الفجر "سنة مؤكدة" استناداً إلى فعل النبي ﷺ والصحابة، يذهب الحنفية والحنابلة إلى عدم مشروعيته في الأحوال العادية، قاصرين جوازه على "قنوت النوازل" فقط عند وقوع بلاء عام بالمسلمين، مع اختلاف يسير في التوقيت؛ إذ يفضله المالكية سراً قبل الركوع، بينما يراه الشافعية جهرًا بعد الرفع منه في الركعة الثانية.
أما في صلاة الوتر، فتتسع دائرة الاختلاف لتشمل وجوب القنوت عند الحنفية طوال العام في الركعة الثالثة قبل الركوع، في حين يعتبره الحنابلة سنة مستحبة في جميع ليلات السنة ولكن بعد الركوع. وعلى النقيض، يقصر الشافعية مشروعية قنوت الوتر على النصف الثاني من شهر رمضان المبارك فقط، بينما يذهب المهور من المالكية إلى عدم مشروعية القنوت في صلاة الوتر أصلاً، مما يبرز تنوعاً فقهياً يتيح للمسلم سعة في العبادة.
وتحسم دار الإفتاء المصرية الجدل القائم حول هذه المسألة بالتأكيد على أن "القنوت" في الفجر والوتر هو باب من أبواب التضرع إلى الله، ولا يجوز شرعاً الاعتراض على من يأتيه أو من يتركه، فالمسألة تندرج تحت "المختلف فيه" الذي لا يُنكر على فاعله. وتشدد الفتوى على أن المسلم له الحق في اتباع أي مذهب من المذاهب المعتبرة، مؤكدة أن القنوت يظل شعيرة إيمانية تربط العبد بخالقه، سواء كان ذلك طلباً للثبات في الصبح أو طلباً للمغفرة في ختام الوتر.