ads
ads

لماذا خرجت حرب السودان عن سياقها المحلي وباتت تهدد القرن الأفريقي؟

الحرب في السودان
الحرب في السودان

خرجت حرب السودان من إطارها المحلي لأنها لم تعد صراعًا داخليًا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع فقط، بل تحولت تدريجيًا إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي مفتوح. فقد أدى تدخل قوى خارجية بدعم أطراف متعارضة إلى تدويل النزاع، حيث بات كل طرف يعتمد على داعمين إقليميين يمدّونه بالسلاح والمال والغطاء السياسي. هذا التداخل الخارجي أطال أمد الحرب، وأفقد الأطراف السودانية استقلالية قرارها، وجعل أي تسوية داخلية شبه مستحيلة دون توافق بين هذه القوى المتنافسة.

ومع استمرار القتال، تآكلت مؤسسات الدولة السودانية وتفككت سيادتها على أراضيها، ما أدى إلى انهيار فعلي للحدود الوطنية. ونتيجة لذلك، أصبحت مساحات واسعة من السودان مفتوحة أمام شبكات تهريب السلاح والذهب والمقاتلين، وظهرت كيانات مسلحة عابرة للحدود ترتبط بعلاقات قبلية واقتصادية تمتد إلى تشاد وليبيا وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى. هذا الواقع جعل الحرب السودانية تتجاوز جغرافيتها الداخلية وتتحول إلى عامل زعزعة استقرار إقليمي.

كما تداخلت الحرب السودانية مع أزمات قائمة أصلًا في القرن الأفريقي، ما ضاعف خطورتها. فالتوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وأزمة سد النهضة وتأثيرها على الأمن المائي لمصر، والهشاشة السياسية والأمنية في جنوب السودان، كلها ملفات حساسة تتأثر مباشرة بمسار الصراع في السودان. أي تحول كبير في ميزان القوى داخل السودان يمكن أن يشعل صراعات كامنة في دول الجوار، ويدفع المنطقة بأكملها نحو مواجهة أوسع.

إلى جانب ذلك، اكتسب ساحل السودان على البحر الأحمر أهمية استراتيجية متزايدة، في ظل احتدام التنافس الدولي والإقليمي على الممرات البحرية والقواعد العسكرية. البحر الأحمر يُعد شريانًا حيويًا للتجارة العالمية وأمن الطاقة، ولذلك فإن السيطرة أو النفوذ على موانئه وسواحله بات جزءًا من صراع نفوذ أوسع. هذا العامل جعل الحرب في السودان مرتبطة مباشرة بأمن الملاحة الدولية وبحسابات قوى كبرى وإقليمية، لا بالسودان وحده.

وساهم اقتصاد الحرب في تعميق الطابع الإقليمي للنزاع، حيث بات تهريب الذهب وتجارة السلاح وتجنيد المرتزقة مصادر تمويل أساسية لاستمرار القتال. هذه الأنشطة لا تقتصر على الداخل السوداني، بل تمتد عبر شبكات إقليمية ودولية، ما خلق مصالح خارجية في إطالة أمد الحرب بدل إنهائها، وزاد من تشابكها مع صراعات أخرى في أفريقيا والشرق الأوسط.

في المحصلة، لم تعد حرب السودان أزمة محلية قابلة للحل عبر تسوية داخلية تقليدية، بل أصبحت عقدة إقليمية معقدة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية متعددة. ولهذا باتت تهدد استقرار القرن الأفريقي بأكمله، من وادي النيل إلى البحر الأحمر ومنطقة الساحل، وأي محاولة جادة لإنهائها باتت تتطلب مقاربة إقليمية شاملة، تعالج جذور التنافس الخارجي بقدر ما تعالج الانقسام الداخلي السوداني.

WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً
عاجل
عاجل
بث مباشر مباراة مصر وكوت ديفوار (3-2) في كأس الأمم الإفريقية (لحظة بلحظة) | الثاني لكوت ديفوار