نشرت مجلة «إيكونوميست» في افتتاحية عددها الأخير تحليلاً معمقاً تناولت فيه احتمالات انهيار النظام الحاكم في إيران، والدلالات السياسية والأمنية والإنسانية التي قد تترتب على ذلك داخلياً وإقليمياً ودولياً، في ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية وتزايد الضغوط الاقتصادية والعسكرية على طهران
أولاً: مشهد الاحتجاجات والقمع الدموي تشير المجلة إلى أن موجات الاحتجاج التي اندلعت في الشوارع والأسواق الإيرانية قوبلت بردٍّ أمني عنيف من قبل النظام، حيث واجه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي، المتظاهرين باستخدام الرصاص الحي. وبعد أسبوعين من تصاعد الهتافات المناهضة للنظام، وعلى رأسها شعار «الموت للديكتاتور»، نزلت ميليشيات مرتبطة بالحرس الثوري إلى الشوارع على متن دراجات نارية، مدججة بالأسلحة الآلية، فيما تولى قناصة استهداف المتظاهرين بشكل مباشر، خصوصاً في الوجه والأعضاء التناسلية.
وتصف «إيكونوميست» مشاهد مروعة لامتلاء المشارح بالجثث، وتكدس الأجساد داخل أكياس سوداء على الأرصفة الملطخة بالدماء. ورجحت المجلة أن يكون عدد القتلى بالآلاف، فيما جرى اعتقال آلاف الجرحى، بل ونُقل بعضهم من أسرة المستشفيات إلى السجون، حيث يواجهون مصيراً مجهولاًثانياً: لحظة تاريخية ضائعة؟ ترى المجلة أن هذه اللحظة كان يُفترض أن تشكل نهاية 47 عاماً من الحكم الديني في إيران.
وتؤكد أن الإيرانيين أظهروا شجاعة استثنائية، ويستحقون العيش في دولة ديمقراطية مزدهرة، بعيداً عن القمع والعزلة الدولية. وتضيف أن المجتمع الدولي سيستفيد بدوره من تحول إيران من دولة تُنظر إليها بوصفها تهديداً نووياً ومصدراً لعدم الاستقرار والعنف في الشرق الأوسط، إلى قوة اقتصادية وتجارية مستقرة ومنفتحةثالثاً: الاحتجاجات وحدها لا تُسقط الأنظمة.
تعترف «إيكونوميست» بأن الاحتجاجات الشعبية، مهما بلغت قوتها، لا تكفي وحدها لإسقاط الأنظمة الاستبدادية، وتطرح تساؤلات جوهرية حول السيناريوهات المحتملة، لا سيما في حال قررت الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، توجيه ضربة عسكرية تهدف إلى إسقاط نظام «الملالي».
وتتساءل المجلة: ماذا سيحدث إذا سقط النظام فعلاً؟ وهل سيقود ذلك إلى الاستقرار أم إلى فوضى أوسع؟
رابعاً: نظام ضعيف… وقسوة متزايدة
ترى المجلة أن ضعف النظام الإيراني هو ما يدفعه إلى مزيد من العنف، إذ لا يملك مشروعاً سياسياً أو اقتصادياً يقدم من خلاله أملاً لشعبه، ولا ملجأ له سوى القمع. فعلى الصعيد الداخلي، يعاني الإيرانيون من: اقتصاد منكمش ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية تفشي البطالة اتساع رقعة الفقر .
أما خارجياً، فقد تلقى النظام ضربات موجعة، حيث مُنيت أذرعه الإقليمية في لبنان وسوريا وغزة بهزائم أو تدمير جزئي منذ عام 2023. كما كشفت حرب استمرت 12 يوماً خلال صيف العام الماضي عجز النظام عن حماية قادته ومنشآته النووية. وعلى الرغم من تقديم تنازلات شكلية في مراحل سابقة، مثل تخفيف القيود المفروضة على لباس النساء، فإن مقترحات الحكومة الأخيرة، ومنها راتب شهري يعادل 7 دولارات للفرد، قوبلت بسخرية واسعة
خامساً: سيناريوهات قاتمة للمستقبل
تؤكد المجلة أن المرحلة المقبلة محفوفة بالمخاطر والغموض. فرغم تراجع المحتجين مؤقتاً عن الشوارع، لا يمكن الجزم بطول هذا التراجع. وتطرح «إيكونوميست» سيناريوهين شديدي الخطورة:
1. استمرار النظام عبر القمع المنظم والروابط العائلية والدموية.
2. انهيار الدولة وانزلاق إيران إلى فوضى شبيهة بتجارب يوغوسلافيا والعراق وسوريا. وتحذر من احتمال اندلاع تمردات إثنية لدى الأكراد والأذريين والبلوش وغيرهم، ما قد يؤدي إلى تفكك البلاد. ومع وجود يورانيوم مخصب وعلماء نوويين وجماعات متطرفة، تصبح المخاطر مضاعفة، وهو ما يفسر تردد بعض الإيرانيين في الانضمام للاحتجاجات
سادساً: احتمالات تفكك النظام من الداخل بين الاستمرار والانهيار الكامل
ترى المجلة سيناريوهات وسطية، من بينها:
إطاحة الحرس الثوري بالمرشد الأعلى استيلاء جناح من الحرس على السلطة باسم «إنقاذ الشعب» محاولة كسب شرعية داخلية عبر محاسبة فصائل أخرى متورطة في القتل وفي هذه الحالات، قد يحظى القادة الجدد بدعم الجيش النظامي الذي حافظ على الحياد حتى الآن، وقد يسعون إلى اتفاق مع واشنطن يقضي برفع العقوبات مقابل فرض قيود صارمة على البرنامج النووي والصواريخ الباليستيةسابعاً: الدور الأمريكي وخيارات ترامب تتناول المجلة بعمق مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي هدد باتخاذ إجراءات «قوية للغاية» ضد طهران، قبل أن يبدو وكأنه يتراجع. وترى أن أي هجوم محتمل سيكون على الأرجح محدوداً، وقد يشمل:
عملية سياسية تهدف إلى عزل أو اغتيال خامنئي
ضربات صاروخية وجوية تستهدف مواقع للحرس الثوري كما تشير إلى خيار أقل خطورة، يتمثل في دعم كسر التعتيم الإعلامي عبر تهريب أجهزة اتصال مثل «ستارلينك»، ودعم شخصيات معارضة في المنفى، وعلى رأسها رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، الذي يدعو من الولايات المتحدة إلى انتفاضة ديمقراطية. وفي ظل غياب معارضة منظمة داخل البلاد، تطرح المجلة احتمال عودة شكل من أشكال النظام الملكيثامناً: مخاطر التصعيد الإقليمي تحذر «إيكونوميست» من أن أي ضربة أمريكية قد تؤدي إلى رد إيراني واسع، نظراً لامتلاك طهران ترسانة كبيرة من الصواريخ قصيرة وبعيدة المدى، ما قد يشعل المنطقة بأكملها. كما أن إسقاط النظام أو عقد صفقة مع الحرس الثوري لا يضمن استقراراً دائماً، إذ لن يقبل الإيرانيون بسلام مع جنرالات تلطخت أيديهم بالدماء
رهانات كبرى ومستقبل غير محسوم
تخلص المجلة إلى أن الرهانات المرتبطة بمستقبل إيران ضخمة وخطيرة، خصوصاً في ظل رئاسة ترامب، الذي لا يُبدي اهتماماً كبيراً بالقانون الدولي، ويُظهر استعداداً لإحداث تغييرات جذرية إذا رأى فيها تعزيزاً لمكانة الولايات المتحدة. ورغم إخفاقات الربيع العربي، التي جعلت الانتقال الديمقراطي أكثر تعقيداً، لا تُخفي «إيكونوميست» أملها في انهيار النظام الإيراني، معتبرة أن ذلك سيكون في نهاية المطاف في مصلحة الشعب الإيراني، الذي وصفته بأنه «أعظم نعمة تمتلكها البلاد».