تمر منطقة الشرق الأوسط بمنعطف استراتيجي بالغ الخطورة والتعقيد، تتجاوز فيه الأحداث حدود المواجهات الميدانية المعتادة لتلامس إعادة صياغة شاملة لمعادلات الأمن الإقليمي. وتتخندق الأطراف الفاعلة، إقليمياً ودولياً، بين خيارين لا ثالث لهما: إما الانزلاق نحو مواجهة شاملة ومفتوحة تحرق ما تبقى من استقرار، أو الدفع القسري نحو تسويات سياسية وهيكلية غير مسبوقة تفرضها واشنطن وحلفاؤها لوقف نزيف التصعيد المستمر منذ أشهر.
أولاً: المشهد العسكري والميداني.. سباق بين خطط الردع ونزيف المخزونات الاستراتيجية
على الجبهة الإيرانية ومعاقل نفوذها الإقليمي، يتصاعد قرع الدقائق الأخيرة نحو حافة الانفجار الكامل. فقد كشفت التقارير الاستخباراتية والعسكرية عن وضع قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، خطة عسكرية متكاملة لشن حملة جوية واسعة النطاق ضد العمق الإيراني تتراوح مدتها بين 10 و14 يوماً.
وتستهدف هذه الحملة المخططة شل القدرة الصاروخية وتقويض ترسانة الحرس الثوري الإيراني رداً على الهجمات المتكررة التي استهدفت القواعد والقوات الأمريكية في المنطقة، لا سيما الهجوم الأخير على القواعد في الأردن ومضيق هرمز.
وفي المقابل، تواجه المؤسسة العسكرية الأمريكية تحديات استراتيجية معقدة تتمثل في الانخفاض الحاد لمخزونات صواريخ الدفاع الجوي، حيث تشير التقديرات إلى استهلاك نحو ثلثي صواريخ "باتريوت" الاعتراضية منذ اندلاع العمليات الكبرى، مما يضع البيت الأبيض تحت ضغط زمني حقيقي لإنهاء العمليات بشكل حاسم قبل استنفاد القدرات الاعتراضية.
وعلى الصعيد الميداني البحري، لم تتوقف التوترات عند الحدود البرية، بل امتدت لتشمل الممرات المائية الحيوية، حيث أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف ناقلتين بحريتين في مضيق هرمز وسط ما وصفه بـ"مؤازرة جوية" أمريكية للقطع المستهدفة، مما دفع سفناً أخرى لتغيير مسارها بسرعة فائقة تفادياً للتصعيد.
ثانياً: تداعيات الساحة الليبية.. الغضب الشعبي وإسقاط الهياكل التقليدية
وفي شمال إفريقيا، تعكس تطورات العاصمة الليبية طرابلس وجهاً آخر للاحتجاجات المعيشية والسياسية التي تحولت بسرعة إلى عصيان مدني وشعبي واسع. فقد تجسد التصعيد الميداني في إغلاق المحتجين مقري المجلس الرئاسي بمنطقة النوفليين ومجلس النواب بزاوية الدهماني، ممتدين من شلل طال خمس وزارات سيادية وخدمية وصولاً إلى شل قطاعات اقتصادية وخطيرة تشمل الشركات النفطية الكبرى (مليتة والزويتينة) ودائرة التحكم الفرعي للكهرباء ومصلحة الطيران المدني.
وتؤكد هذه الاحتجاجات المتصاعدة أن الفجوة بين الشارع والسلطة الحاكمة في ليبيا قد بلغت مرحلة اللاعودة، حيث يصر المحتجون على مواصلة تحركاتهم حتى تحقيق هدفهم الأبرز المتمثل في إسقاط جميع الأجسام السياسية دون استثناء، ومعالجة أزمات الخدمات المتهالكة وفي مقدمتها الكهرباء.
ثالثاً: الدبلوماسية الأمريكية وبريطانيا.. صراع الضمانات ومسارات السلام المتعثرة
على الصعيد الدبلوماسي، تقود الولايات المتحدة وبريطانيا حراكاً مكثفاً ومزدوج المعايير بين فرض الضغوط العسكرية والتلويح بالتسويات. فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي عن تحقيق نجاحات دبلوماسية بارزة بالمنطقة، كاشفاً عن اتفاق "غير مسبوق" بين لبنان وإسرائيل، بالتزامن مع تسريبات تؤكد تعهد واشنطن المباشر لحركة حماس بعدم السماح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعرقلة اتفاق غزة، ومؤكدة أنها ستكون ضامنة لتنفيذ بنود الانسحاب الشامل وتجريد السلاح الثقيل وفق خريطة طريق مقترحة من "مجلس السلام".
إلا أن هذه التحركات تصطدم برفض قاطع من الأجنحة المتشددة داخل الائتلاف الحاكم في إسرائيل؛ حيث أعلن وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، رفضه القاطع لمسودة الاتفاق معتبراً إياها خطراً استراتيجياً وغير مقبولة.
وتتطابق هذه العراقيل مع التحذيرات البريطانية التي أطلقتها القائمة بالأعمال لدى الأمم المتحدة كيت فوستر من خطورة التوسع الاستيطاني الهائل في الضفة الغربية والقدس الشرقية، والذي يهدف صراحةً إلى تقويض فرص حل الدولتين، إلى جانب المطالبة بتسريع تنفيذ خطة السلام في غزة وفتح المعابر دون قيود لتحسين الأوضاع الإنسانية الكارثية.
رابعاً: الخلاصة والتحليل الاستشرافي
يُظهر المشهد الإقليمي العام أن الشرق الأوسط يعيش أزمة "حافة الهاوية" المزدوجة؛ فالعمليات العسكرية ضد إيران ومضيق هرمز تسير بوتيرة متسارعة قد تنفجر في أي لحظة نحو حرب شاملة إذا لم تُفلح الجهود الدبلوماسية الأمريكية في فرض تسويات قسرية. وفي المقابل، فإن محاولات هندسة اتفاقات جديدة في غزة ولبنان تواجه حقول من الألغام السياسية الداخلية (رفض اليمين الإسرائيلي الشروط وتصلب الأطراف).
إن المرحلة القادمة ستتحدد ملامحها بناءً على مدى قدرة واشنطن على كبح جماح وكلائها وحلفائها المتشددين، ومدى نجاح خطط الطوارئ العسكرية في حسم الملف الإيراني قبل نفاد المخزونات الاستراتيجية، مما يجعل خيارات التهدئة معلقة بخيط رفيع على وقع الطبول العسكرية وقرارات الشارع الغاضب من طرابلس إلى تل أبيب.