تعود منشآت الطاقة الحيوية في ليبيا لتتصدر المشهدين الأمني والسياسي في حلقة جديدة من مسلسل تعطيل الشريان الرئيسي للاقتصاد الوطني، وسط تصاعد ملحوظ في حوادث الاستهداف والإغلاقات والاحتجاجات التي تطال حقول وموانئ ومصافي وخطوط نقل النفط والغاز، ممثلة عودة مقلقة لاستخدام قطاع الطاقة كورقة ضغط في الصراعات المختلفة.
وخلال الأيام القليلة الماضية، تعرضت مواقع حيوية في المنطقة الغربية لحوادث متزامنة أعادت مخاوف تكبد البلاد خسائر مليارية فادحة مشابهة لسنوات الإغلاق السابقة. ففي مصفاة الزاوية، اصطدمت طائرة مسيّرة فجر السبت بأحد خزانات المصفاة، مما أحدث أضراراً مادية وأدى إلى تسرب منتج النافثا، وقبل ذلك بأيام قليلة، شهد مجمع مليتة الصناعي -الواقع على بعد أقل من عشرين كيلومتراً من المدينة- اقتحاماً من قِبل محتجين أفضى إلى إغلاق خطوط الغاز المغذية لمحطات توليد الكهرباء.
ولا تقتصر أهمية مجمع مليتة ومصفاة الزاوية على السوق المحلية فحسب، بل تمتد لتتجاوز الحدود الإقليمية والدولية؛ نظراً لدور المجمع في معالجة النفط والغاز وارتباطه المباشر بخط "غرين ستريم" الذي يصدّر الغاز الليبي إلى إيطاليا. ومن هنا تبرز الحساسية الكبيرة لاستهداف هذه المنشآت، إذ لا يقتصر التهديد على أمن الطاقة الداخلي فحسب، بل يمتد ليطال التزامات ليبيا الخارجية وشراكاتها الاستراتيجية مع الدول الأوروبية، وتحديداً روما.
وبذلك، تكشف واقعتا الزاوية ومليتة عن طبيعة مزدوجة وخطيرة للمخاطر التي تواجه قطاع الطاقة الليبي اليوم؛ فبينما تجسد الخطر في الزاوية في حادث أمني مباشر استهدف منشأة إنتاجية حساسة، ارتبطت أزمة مليتة بتحركات احتجاحية خرجت عن السيطرة لتتحول إلى تعطيل فعلي ومباشر لتدفقات الطاقة واقتصادات البلاد.